Leave a comment

خيارات الأردن .. التوقف عن خوض معارك الآخرين

كان يتعين على الأردن بكل ثرائه الأمني والسياسي والاستراتيجي على صعيد إقليم الشرق الأوسط أن يكون صاحب خيارات مفتوحة ومتعددة وحاسمة في التعاطي مع كل القضايا محلية كانت أو خارجية.

ومع فقره الدائم على صعيد الإمكانيات الاقتصادية، حيث ظل يعيش مع الفقر وتحت هاجس رغيف الخبز، فإنه آن الأوان للقيادة السياسية التي لا تنقصها الجرأة إشهار مثل هذه الخيارات والشروع بتثبيتها لمواجهة الأزمات التي في مجملها اقتصادية.

لقاء رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي يوم الخميس (17 مايو/ ايار 2012 ) مع عبد الله وريكات مستشار الملك عبدالله الثاني ومقرر مجلس السياسات الوطني, ورئيس هيئة الاركان المشتركة الفريق الركن مشعل محمد الزبن, حيث تم سبل التعاون بين البلدين على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، خطوة في الاتجاه الصحيح.

والتفاصيل المؤلمة لا بل “الكارثية” التي قدمها رئيس الحكومة الدكتور فايز الطراونة ووزير المال سليمان الحافظ أمام مجلس النواب ووسائل الإعلام في الأوان الأخير عن حال الميزانية العامة للدولة لا تبشر بالخير.

في السنوات الأخيرة، ظل القرار الأردني الاقتصادي “لسبب ما” مرتهن للجوار الخليجي النفطي، وللشركاء الأميركيين والغربيين، وظلت المساعدات تأتي للميزانية الأردنية بـ “القطارة” ،، حتى وصل الحال الى الحقائق المخيفة الذي كشفته تصريحات الطراونة والحافظ. هذا فضلا عن ضغوطات وشروط صندوق النقد الدولي… كل فلس كان يدخل الميزانية الأردنية كان يرتبط بموقف وتنازلات !.

 فقد قال الرئيس الطراونة: “بكل صراحة ووضوح لدينا أزمة تتمثل في عجز الميزانية والفجوة التمويلية والقدرة على تمويل تلك الفجوة، إضافة إلى المديونية المرتفعة داخليا وخارجيا”، معلنا أن بلاده لم تتلق سوى 18 مليون دولار كمساعدات خارجية، من أصل 870 مليونا المقررة لها.

 وأوضح أن وضع الميزانية العامة أصعب بكثير مما كان متوقعاً، بسبب إختلاف الكثير من المؤشرات محليا وإقليمياً ودولياً، والتي زادت من عبء الدين والعجز، مضيفا “اننا وصلنا الى السقوف في المديونية الداخلية والخارجية ولا بد من اجراءات سريعة محليا كي نطمئن الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الاقليمية والدولية المانحة إلى أننا نقوم بواجبنا في ترتيب اوضاعنا الداخلية ماليا واقتصاديا”.

 ليس الأردن مضطراً، وهو يسعى لتحقيق إصلاحات غير مسبوقة قد تكون انموذجاً في الإقليم، أن يظل رهين المحبسين “الخليجي والأميركي”،، ما دامت خياراته واسعة، رغم أن كثيرين يحاولون أن يبتسروا هذه الخيارات على مزاجهم وعلى هواهم وحسب مصالحهم مع إغفال المصالح الأردنية.

ما يفعله الأشقاء الخليجيون الذين لوحوا بعضوية الأردن في مجلسهم ثم تراجعوا رغم مواقف الأردن مع عديد من دول هذا المجلس، سابقة خطيرة وهي بحد ذاتها تدعو صانع القرار في عمّان لانتهاج سياسات أكثر حسماً تستند أولاً للمصالح الاستراتيجية الأردنية،، وأولها إشباع الشعب الأردني وتوفير وظائف وتمتين الجبهة الداخلية وبناء مداميك البنية الأساس تزامناً مع خطواته الإصلاحية.

حسب علمنا، لا يوجد ما يجعل الأردن على علاقة متميزة مع بغداد، سواء كان في كرسي الحكم نوري المالكي أو إياد علاوي، فبوابات قصر الحكم في عمّان ظلت مفتوحة على الدوام لكل الطيف العراقي الشقيق “سياسياً وطائفياً”، ولا مشاكل عالقة أو أزمات أو مماحكات بين عمّان وبغداد. وكل الطرق بينهما مفتوحة في كل الظروف ومع كل العهود. وهي ظلت من دون إملاء شروط لجهة هذا الموقف أو ذاك.

الحال ذاته مع طهران، التي كانت قادت مبادرات في السابق لتجسيير الهوة في العلاقات مع عمّان، ولعل زيارة عبدالرحيم مشائي مستشار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى الأردن في العام 2011 وحمله دعوة للعاهل الهاشمي الملك عبدالله الثاني “لم تنفّذ”، كانت تصب في هذا الاتجاه.

لم يقف الأردن مصطفاً مع الداعين لتقويض جهود إيران الساعية لانجاز برنامج نووي سلمي، ولا خلاف “طائفياً” أو حدودياً أو سياسياً بين الطرفين، كما يحاول البعض من ذوي الأجندات الخاصة التلويح به. ولم يقف مؤيداً لتوجيه ضربة عسكرية لإيران كما تفعل دول الجوار الخليجي. كان الأردن على الدوام من دعاة الحوار بين الغرب وطهران، حفاظاً على أمن وسلامة الإقليم الذي هزته حروب ودماء كثيرة. وخلال ذلك قدم الأردن الكثير من التضحيات ولحقت به خسائر كثيرة خاصة لجهة الوضع الاقتصادي والديموغرافي.

وفي كتابه “فرصتنا الأخيرة .. السعي نحو السلام في زمن الخطر” يروي الملك عبدالله الثاني بعض تفاصيل زيارته العام 2003 لإيران، ويخلص الى القول .. انه حين التقى المرشد الأعلى علي خامنئي على هامش الزيارة، قال له المرشد مرحياً “كهاشمي لك مكانة كبيرة في مذهبنا من الإسلام .. أهلا بك في إيران”.

وحيث الأردن، كان وما زال ونأمل بأنه سيظل بعيداً عن سياسة المحاور والتحالفات الضيقة، فإن علاقات وثيقة مع الجميع مطلوبة في كل آن وزمان، وهذا ما يستدعي سرعة الاستجابة لعلاقات تستند للمصالح الاستراتيجية أولاً مع بغداد وطهران دون الإخلال بالعلاقات القائمة مع دول الجوار الخليجي التي ظلت تتأرجح وتتزحزح صعودا ونزولا حالها حال رمال الخليج.

وأخيراً، فإن السؤال هو: هل سيكون لقاء المالكي مع عبدالله وريكات مستشار الملك عبدالله الثاني ورئيس الأركان المشتركة مشعل الزبن، بداية لمرحلة جديدة يرسخ فيها الأردن ما هو متاح له من خيارات واستراتيجيات بثاقب بصيرة واستشراف للمستقبل لا أن يظل “رهين المحبسين” !؟..

آن الأوان للأردن أن ينأى بنفسه عن خوض معارك الآخرين .. هناك معارك أجدر بالانتباه والحشد.

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: