Leave a comment

اكتمال “العصر الإسرائيلي”: سلام مع السعودية عبر نظام سنّي بديل في دمشق

تكتمل صورة الأزمة السورية فصولاً حسب ما هو معد من مخطط له من قبل سنين في عهد الحزب الجمهوري الأميركي الذي شكل مظلة رئيسية لجماعات المحافظين الجدد اصحاب نظرية “الشرق الأوسط الكبير” وكان من أهم أهدافه التي شملت المنطقة الممتدة من افغانستان الى المغرب، تركيع سوريا وعزل حليفتها إيران الشيعية عن العالم السني بمحاصرتها في خانة “برنامجها النووي” مع التلويح بحرب شاملة ضدها وهي حرب لن تنشب حسب ما تشير كل المعطيات.

 تركيع سوريا، كان في عرف مخططي “الشرق الأوسط الكبير” الذي حمل لاحقا اسم “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” ثم أطلقت عليه كونداليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة في تصريحات لها في آخر زيارة لها للبنان العام 2006 “الشرق الأوسط الجديد” ملوحة بـ “الفوضى الخلاقة” ظل هدفاً استراتيجياً لا تراجع عنه جرى العمل لتنفيذه لعقود من الزمن وصولاً إلى إرضاء إسرائيل وتحقيق شروط بقائها قوة أمنية قائدة في الإقليم.

 مخطط تنفيذ إقليم الشرق الأوسط الكبير كما كان يؤكد عرابوه لا بد وأن يتم عبر حربين، وهما اشتعلتا سلفاً في كل من أفغانستان والعراق ولا تزال آثارهما تعلن عنهما في كلا البلدين، رغم عدم تحقيق كل أهدافهما.

 وإذا كانت حرب أفغانستان كانت تهدف إلى تدمير شبكة القاعدة وحليفتها حركة طالبان، فإن استمرار وجود قوات الاطلسي بقيادة اميركية في ذلك البلد المثخن بالجراح ومحاولات استدراج طالبان لسلام شامل يشير الى فشل ذريع للاستراتيجيات الاميركية والغربية هناك.

 والحال ذاته ينطبق على العراق، حيث كانت الحرب تهدف إلى إطاحة صدام حسين وتخليص الإقليم من “طاغية مستبد” يهدد الأمن والاستقرار، لكن مثل هذا الطموح لم يتحقق إذا ما تابعنا ما يجري على الأرض العراقية من خصومات سياسية وطائفية فضلاً عن استمرار التفجيرات والمناكفات بين قادة البلاد الجدد الذين هم بمجملهم صنائع للغرب.

 ومع موسم “الربيع العربي” الذي ابتدأت شرارته في تونس ومصر فليبيا والبحرين واليمن ثم أخيراً إلى سوريا، فإن هذه الأخيرة ذات بُعد منفصل عن غيرها من تداعيات الربيع العربي الذي صار يحتاج الى إعادة توصيف وتعريف بعد النتائج التي تشهدها دول هذا الربيع ابتداء من استمرار التصادم السياسي على السلطة و”تنمر” الحركات والميليشيات الاسلامية في هذه الدول.

 الهدف النهائي من ربيع سوريا أو لنقل “تركيعها” للانخراط في إقليم الشرق الأوسط الكبير، ونزع تحالفها مع إيران وحركتي المقاومة في فلسطين (حماس) ولبنان (حزب الله) هو إسقاط حكم آل الأسد (العلوي) الممتد منذ 42 عاماً ليس لأن هذا الحكم سلطوي واستبدادي وديكتاتوري كما يظن كثيرون في الإقليم ومعهم مختلف فصائل المعارضة المشتتة في الداخل والخارج. ولكن لغايات استراتيجية مخطط لها منذ زمن بعيد في الذاكرة الإسرائيلية.

 لقد ظل حكم آل الأسد منذ الأب الراحل حافظ الأسد وصولاً للابن بشّار حالة محيرة للتعامل معها في دوائر القرار الأميركية والغربية، وما يثير الانتباه هو أن هذا الحكم ظل دائماً صاحب حضور في القرار ولم تكن هناك حالة عداء دائمة أو صداقة معه من الدوائر الغربية، فقد ظلت الوفود الغربية تتقاطر على دمشق للأربعين عاماً التي خلت بغض النظر عن الاختلاف في وجهات النظر في هذه القضية أو تلك.

 وهنا يبرز دور إسرائيل وهي مرتكز كل الاستراتيجيات الغربية والأميركية الحيوية في إقليم الشرق الأوسط،، إذ كل المعطيات تشير الى أن تل أبيب ترى انه بعد أربعين عامأ من الهدنة الهشة والهدوء “المرعب” على حدودها مع سوريا، ومع كل الضغوط الدولية لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وخاصة لجهة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة، فإنها تقفز إلى الأمام خطوات كبيرة مستغلة بذلك “الربيع العربي” لتجد في إطاحة نظام الحكم “العلوي” في سوريا ضالتها.

 رغم مبادرة السلام العربية التي قادتها المملكة العربية العام 2001 من قمة بيروت ونالت تأييداً جماعياً وهي تحقق لإسرائيل اعترافاً عربياً وكذلك اعتراف الدولة الإسلامية كافة (57 دولة) وعلاقات دبلوماسية مع هذه الدول، فإن إسرائيل “ذات النفس الطويل” أو لنقل صاحبة السطوة العسكرية وكذلك التأثير على القرار الأميركي والغربي ترى أن السلام لن يتحقق عبر منظورها وحدها لا كما يرى الآخرون ومن بينهم حلفاؤها المخلصون.

 في مسألة السلام النهائي والشامل ترى إسرائيل ايضاً ما لا يراه غيرها، وإذا كان قرارا مجلس الأمن 242 و338 يعتبران هما الأساس لمثل هذا السلام، فإن قادة إسرائيل المتعاقبين يرون أن السلام يكون مع العرب فرادى كما حصل مع مصر والأردن وصولاً إلى انتزاع اعتراف شامل من الجميع وعلى راس هؤلاء قلعة الإسلام السنية وهي المملكة العربية السعودية حيث تعيش إسرائيل وسط هذا الحشد السني الهائل بعد ان تكون إيران الشيعية تم عزلها تماماً عن الإقليم وفك ارتباطها مع دمشق وبقية حلفائها.

 وحسب أجندتها، ترى إسرائيل دائماً أن سلاماً نهائياً مع سوريا حيث حكم الأقلية العلوية لن يتم ولن يحقق لها الأمن إلى ما لانهاية فيما لو جرى انقلاب وجاء بقيادة سنية قد تكون متشددة.

 لذلك فإن مطلب قيام حكم سني بديل لحكم بشار الأسد بتراضي جميع الأطراف السوريين، ليس هدفاً فقط للشارع السوري المنتفض منذ أكثر من عام. بل إنه هدف إسرائيلي طموح، فاتفاق سلام مع حكم سني قوي في سوريا يضمن لها التفرغ للسعي لتوقيع اتفاق سلام مع السعودية السنية صاحبة مبادرة السلام العربية، وهو هدف نهائي للمشروع الإسرائيلي الدائم في المنطقة. فغالباً ما كان قادة إسرائيل يرددون ترنيمة “العصر الإسرائيلي الوريث لكل العصور” في الشرق الأوسط. فهم يقولون على سبيل المثال ان الإسلام حكم المنطقة في عصور اموية وعباسية وعثمانية كما ان القوميين العرب نالوا قسطهم من الحكم في مصر والعراق وسوريا، وأن الدور لابد آت لتدشين العصر الإسرائيلي في سيادة المنطقة.

 وأخيرا، قد يقول قائل، ان مثل هذا التحليل يصب في خانة “تخوين” الثورة السورية،، ودعم دعاة تيار “المقاومة والممانعة” الذي تقوده سوريا،، فان الرد المنطقي هو اننا نؤكد حقيقة لا يختلف عليها اثنان وهي ان النظام في سوريا لم يكن يشكل ابدا قوة ردع حقيقية لطموحات إسرائيل بقدرما كا يشكل غطاء لاستمرارها قوة عسكرية ضاربة في الإقليم، ولنا في غارات إسرائيل الجوية ضد منشآت سورية ومنها طلعات مقاتلاتها لمرات عديدة فوق القصر الجمهوري في دمشق وكذلك حروبها في لبنان أمثلة حية على تواطوء ذلك النظام الساعي لاستمراره مهما كان الثمن.

 لقد كان وظل رد نظام الحكم في سوريا منذ حافظ الأسد إلى عهد قريب على الدوام على كل تطاول وعدوان إسرائيلي، فضلا عن عبارات الشجب والاستنكار هو: اننا نحتفظ بحق الرد في الزمان والمكان !. وع مرور السنين لم ينفذ النظام اي تهديد أو وعيد في أي رد.

صحيح أن النظام استضاف العديد من الفصائل الفلسطينية الراديكالية، لكنه حين وضعها تحت مظلته لم يكن يسمح لها باية عملية فدائية من أراضيه ضد إسرائيل، المسموح كان فقط عقد مهرجانات خطابية في مخيم اليرموك “للتسبيح بحمد نظام الحكم”.    

وإذ ذاك، فإن إسقاط نظام بشّار الأسد “العلوي” يحقق أهدافاً عديدة بضربة واحدة ومرة واحدة وإلى الأبد من منظور إسرائيلي، على أنه يخدم غايات أخرى يطمح لها الشعب السوري بقيام حكم ديموقراطي مستند الى تعددية ومشاركة شعبية شاملة تحفظ حقوق الجميع… حتى لو استغرق الأمر شهوراً طويلة أكثر تتطلب طول نفس وصبر من جميع ممن يعنيهم الأمر في عواصم القرار الغربية والعربية وصولاً إلى موسكو وبكين اللتين ستجدان أنفسهما منخرطتين في المخطط ولو بعد حين.  

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: