Leave a comment

حيث كنت هناك يوم الثورة .. ويوم تصدير الثورة

صادفت يوم الأحد (3 يونيو/ حزيران 2012) الذكرى الثالثة والعشرين لرحيل الزعيم الديني الإيراني آية الله الخميني حيث شهدت إيران احتفالات واسعة بالمناسبة، وبالطبع فإيران اليوم ليست هي إيران الأمس رغم تشابه الكثير من الظروف الداخلية والإقليمية والدولية.

ولعلني لا أزعج القراء الأعزاء هنا، إذا ما عمدت لإعادة ما كنت كتبته عن الثورة الإيرانية التي قادها الخميني العام 1979 حيث كنت من أوائل الصحافيين العرب والغربيين الذين حطّوا في طهران كمراسل لصحيفة (الرأي) الأردنية لتغطية الحدث الإيراني الذي غير وجه المنطقة.

في الإعادة إفادة

وفي الآتي ما كنت كتبته في صحيفة (إيلاف) الالكترونية اللندنية عن تلك المهمة في ديسمبر/ كانون الأول العام 2004 تحت عنوان (كنت يوم تصدير الثورة). والى النص ربما تكون في الإعادة إفادة:

 .. إذا كان للذكريات من نصيب هذه الأيام، أننا كنا قلة من الصحافيين العرب الذين تواجدوا في طهران غداة عودة الإمام الراحل الخميني منتصرا في ثورته الإسلامية في طهران، فعدا كاتب هذا السطور، كان الصحافي الأردني الراحل أحمد الدباس ممثلا لجريدة (الدستور) الأردنية، حيث شاركت جريدتانا معا حيث كنت مراسلا لصحيفة (الرأي) في استئجار طائرة من طيران الأجنحة الملكية الأردنية مع صحافي أميركي لاقتحام الأجواء الإيرانية التي كانت حظرت السفر إليها عشية عودة الإمام المنتصر من ضاحية باريسية، وغداة سفر لا عودة له من بعد للشاه حفيد عرش الطاووس.

وهنالك التقينا في طهران التي كانت محتلة للجان الثورة (الكوميتات) بزميلين ليبيين طردا من بعد ذلك، هما الراحل إبراهيم البشاري وزير خارجية الجماهيرية الليبية الذي قضى في حادث سير في السنوات الأخيرة وسعد مجبر سفير الجماهيرية لاحقا في باريس، وكانا يقومان بمهمة صحافية في طهران، لكن السلطات الثورية الإيرانية الجديدة طردتهما متهمة إياهما بالتجسس كونهما لا يقومان بمهمات إعلامية ولكن أبعد من ذلك.

والصحافيان الوحيدان الآخران عربيا اللذان جمعتنا بهما الغربة معا، هما يوسف إبراهيم الأميركي الجنسية (المصري الأصل) حيث كان يمثل صحيفة (نيويورك تايمز) الأميركية والزميل سمير شاهين وكان آتيا رفقة وفد شيعي لبناني يرئسه أمين الحسيني رئيس حركة أمل ورئيس المجلس النيابي اللبناني آنذاك، وما غيرنا نحن الفئة القليلة كان هنالك نحوا من ثمانين صحافيا غربيا ضمنا فندق كونتينانتيال آريا مهر طهران، وكلهم توافدوا مثلنا لتغطية الحدث الكبير. وفي وقت لاحق انضم الينا عميد الشنطي من جريدة القبس الكويتية.

كانت طهران بحرا هائجا من التحرك السياسي والاضطرابات والمظاهرات، فالثورة التي لم يخطط لها إلا في الخارج عبر آيات الله المرتاحين بقدسيتهم في ظل الشاه عبر تفاهمات استمرت منذ الستينيات حيث الثورة الإصلاحية الشاهنشاهية، تتأجج صراخا وعناوين وتعبيرات رغم جميع المكتسبات التي حققوها شخصيا من مزارع بحر قزوين وما حولها من أراض زراعية تملكوها بقوة الدين والدستور وتنازلا من الشاه حفاظا على استمرار حكمه الذي خدعه به اقرب الحلفاء وفي مقدمتهم الولايات المتحدة التي لم تكن تدرس النهايات جيدا حتى تلوث أنفها بالوحل وديس عليه في قلب سفارتها في طهران باحتجاز ناسها لمدة شهرين، ومن ثم عملية عسكرية فاشلة لتحريرهم أحبطها الإيرانيون وتفاعلات الطقس التي خدمت رجال الخميني ، في صحراء طبس.

 العلاقات الايرانية – الأردنية

 وما يهم، في هذه العجالة، هو مسألة العلاقات الأردنية الإيرانية منذ ذلك الوقت وهي توترت لا بل انهارت منذ العام 1979 ، رغم محاولات كثيرة من الجانب الهاشمي الذي يحكم الأردن الذي حاول من خلال زيارة اداها العاهل الهاشمي الراحل الحسين بن طلال العام 1978 إلى مقر الإمام الخميني في منفاه في لوشاتوه الضاحية الباريسية الشهيرة التي دخلت التاريخ، لكن المحاولة فشلت في بناء علاقة فورية وإيجابية بين الطرفين على الرغم من أن الملك الهاشمي احتراما للثورة الجديدة رفض استقبال الحليف الشاه السابق لاجئا سياسيا على أرض بلاده عوضا عن ذلك توجهت الطائرة الشاهنشاهية إلى مطار القاهرة بترحيب من الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي كان يقاطعة العرب كافة آنذاك لتورطه باتفاقيات كامب ديفيد.

وأذكر أنه حين وصلت مع زميلي الأردني احمد الدباس إلى مطار مهر آباد على تلك الطائرة المستأجرة، جرى معنا تحقيقا طويلا امتدت لأربع ساعات حول مهمتنا، وانتهينا في كلامنا للمحققين بالقول إننا نأتي لطهران يوم انتصار الثورة “لتغطية زيارة محتملة للزعيم الفلسطيني الثائر ياسر عرفات الذي سيزوركم بعد يومين، ولم نقل لهم إننا صحافيين أردنيين”،ورجوناهم الافراج عن زميلنا الأميركي الذي كان مرافقا لنا في الرحلة، فأفرجوا عنه “بقدرة قادر لا نعرف كيف”، وهنا تم الإفراج عنا أيضا لنذهب في طريقنا نفتش عن فندق يأوينا، ولم يكن للصحافة الأجنبية وقتها إلا فندق إنتركونتينال، وقد رويت هذه الحادثة للرئيس الراحل ياسر عرفات في وقت لاحق ، كيف أنني استخدمت اسمه لمهماتي في طهران، وكيف أن الإيرانيين الثوريين الجدد وافقوا على استقبالنا على اعتبار أن اسمه كان تأشيرة دخول وإقامة في طهران الثورة الخمينية.

وفي أول مهماتي في طهران الثورة الجديدة، كان علي أن أتلمس مواضع قدماي في حقل الألغام المتفجر الذي لا الثورة الجديدة تلجمه ولا أي نظام في الدنيا، فعرش الطاووس سقط فجأة والجميع يدعي وراثته، رغم عودة الزعيم المنقذ الذي كانت كل الآراء المتناقضة تجتمع حول زعامته وهو الإمام الخميني الذي لم يكن يعرفه إلى تلك اللحظة، غالبية الشعب الإيراني من الجيل الجديد.

 لقاء صادق قطب زادة

 وإذ كنت على معرفة سابقة مع رجل الإعلام والكاتب والسياسي التنويري الإيراني الراحل صادق قطب زاده، من خلال لقاءات طويلة في دمشق التي كان يأوي إليها، وهو فورا تم تعيينه رئيسا للإذاعة والتلفزيون اتصلت به على الهاتف من فندقي في صباح اليوم التالي ، وقال لي تعال فورا، وفعلا ذهبت.

وحين ذهبت للقاء الصديق صادق قطب زاده ، وجدت أمامي في المبنى الضخم الذي أقامه الشاه المطرود لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون حراسات تتحدث اللهجة الفلسطينية، وعلمت من خلال كلامي معهم أنهم ينتمون على حركة (فتح) الفلسطينية التي يتزعمها ياسر عرفات، وانهم جاؤا لحراسة المكان بطلب من قائد الثورة الإمام الخميني،  وقالوا أنهم يحرسون أماكن عديدة مهمة في العاصمة التي غاب عنها شمس الطاووس الشاهنشاهي.

قبل الدخول بثوان على مكتب الصديق الراحل الذي اعدم لاحقا بتهمة التآمر على الثورة، شاهدت في الحديقة الأمامية للمبنى عشرات من الفتيات والشباب يتظاهرون على فصلهم الفوري من مهماتهم،،، وحين التقيته حيث استقبلني ببشاشة الصديق ، كان أول سؤال لي له : لماذا ؟ هذه التظاهرة؟؟

أجاب صادق قطب زاده: هؤلاء من أنصار النظام السابق؟؟؟، أجبته : ولو : انت ليبرالي، دع عنك، كل ما يلبسه رجال الدين، فأنت لا زلت تحتفظ بربطة العنق واناقتك المعهودة، وهؤلاء من فتيات وشباب ينتمون لنفس الجيل الذي تنمي إليه،، أعطهم فرصة. قال بفظاظة لم أكن أتعودها منه من ذي قبل الثورة: لا ، عليهم أن يدفعوا الثمن.

وإلى ذلك، أنهيت كلامي معه، وقلت له أستاذ صادق، أنا هنا لتغطية أحداث ثورتكم ، وأنا أحادثك كزميل، وأنت كاتب مهم، وأنا جئت نيابة عن وسيلة أردنية هي جريدة (الرأي) لتغطية شاملة لثورتكم. نظر إلي صادق “الذي كان أنيقا ومرتبا وشبابيا بنظرة عجلى تدل على عدم الرضى”. وقال مقطبا: الملك حسين لم يعترف بثورتنا،،، وهو يقف ضدها؟ ، قلت له : عفوا أنا صديقك، وأنا لست ممثلا للملك حسين، ولكن اسمع أستاذ صادق : أنا معي بالمصادفة أعدادا من جريدة (الرأي) وهي الجريدة المتحدثة رسميا باسم الحكم الهاشمي في عمان، ومانشيتات هذه الجريدة التي أحملها تحمل عناوين لرسالة وجهها الملك الحسين للإمام الخميني معترفا بثورته ومهنئا بها. وذكرته في ذلك الاتجاه بأنه كان أحد الوسطاء عن طريق قوى لبنانية بين الملك حسين والإمام الخميني وهي وساطة انهارت. لكنه تجاوز عن الحديث في الأمر مشيرا على ممارسات خاطئة جرت من جانب بعض الشخصيات الأردنية اللبنانية التي حاولت الاستفادة سياسيا من التطورات.

* (كاتب هذه السطور لن يذكر أسماء تلك الشخصيات التي تورطت التي ذكرها الرحل صادق قطب زاده).

وحيث تسلم صادق قطب زاده أعداد جريدة (الرأي) التي حملني إياها الناشر الراحل جمعة حماد لتقديمها إليهم في قيادة طهران الجديدة كصديق قديم إليهم منذ الخمسينيات الماضية في العمل الإسلامي وكانت تحمل مانشيتيات حول الموقف الهاشمي في عمان من الثورة الجديدة، قال لي انتظر لحظة يا صديقي نصر، اسمع هذه المكالمة.

وظليت انتظر، إلى أن حادث باللغة الفارسية رجلا آخر على الخط الهاتفي لوقت طويل، ثم التفت إلي قائلا: هل فهمت؟ ، قلت لا؟، قال هذا أمير عباس انتظام الوزير المتحدث باسم الحكومة، وأنا أبلغته عن فحوى مانشيتيات جريدة (الرأي) الموجودة بين يدي، ووعدني أن يكون أمرا إخباريا مهما الليلة، أما أنت فاذهب إلى الفندق وانتظر أخبار  الساعة الثامنة؟.

فعلا ، في الساعة الثامنة مساء ، على شاشة التلفزيون الإيراني، كانت صورة للصفحة الأولى في جريدة (الرأي) التي أعطيتها لصادق قطب زاده وهي تحمل تهنئة الملك الحسين وتأييده للثورة الإسلامية الناجحة بقيادة الإمام الخميني.

 الثورة والتحول

 لقد كانت حياة الإمام الخميني العائد من منافيه من بعد طرده في أوائل الستينيات في القرن الفائت ليلوذ إلى منافي قريبة في العراق أو الكويت مثلت في الذاكرة الإيرانية القريبة من الجوار العربي مادة خصبة في تاريخ إيران الحديث “قوميا وإسلاميا”، فقد عاش الرجل تسعة وثمانين عامًا تعتبر ملخصًا وافيًا لتاريخ المجتمع الإيراني وتفاعلاته السياسية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، وما يختزنه الشعب من طاقات جبارة استطاعت أن تزيح نظامًا قويًا عن قواعده وحكمه، وتقيم نظامًا جديدًا لعبت فيه الإرادة والإصرار الشعبي دورًا بارزًا قل نظيره في الثورات العالمية في العصر الحديث.

ولكن ما بين ثورة إسلامية في كل تداعياتها وشعاراتها بونا شاسعا كبيرا في الحال الإيراني “فارسيا وإسلاميا”، فهل إيران ، فارسية أم إسلامية، وهي هي إيران ، الدولة في الإقليم؟ وكان هنالك جدال كبير بين أركان الثورة الجدد المتصادمين، وفي الجوار أيضا وكانت هنالك شكوك كثيرة فيما بين الحالين عن الجار الكبير صاحب الثورة؟.

 لقاء ابراهيم يزدي

 ومن الذكريات، أنني في اليوم الثالث لوصولي إلى طهران ، التقيت في ردهة فندق إنتركونتينتال رئيس مجلس الوزراء اليمني الصديق عبد العزيز عبد الغني كان يقود أول وفد عربي من بعد ياسر عرفات لتهنئة طهران بثورتها الجديدة. والمسؤول اليماني الكبير “واذكر له هذا بالخير”، طلب إلي اصطحابه إلى لقاء مع واحد من أهم أركان الثورة الإسلامية، ورحبت بمصاحبته.

وفي اللقاء الذي عقده رئيس الوزراء اليمني والمبعوث للتهنئة بالثورة، كان المحاور هو إبراهيم يزدي، الذي كان مسؤولا آنذاك عن وزارة الشؤون الخارجية، وكان لقاء وديا جدا بينه وبين النظراء اليمينيين الذين بادروا للتهنئة بانتصار الثورة. ولكن من بعد اللقاء تكلمت مع الوزير القوي آنذاك يزدي حول تعامل الثورة الجديدة مع الجوار العربي؟

أجاب يزدي، الذي قبل ذلك، كان عضوا في لجنة الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة قائلا: “ناصر العربي انتهى وإلى الأبد؟”، وحيث لم أفهم إشاراته، سألته ثانية : ماذا تعني بانتهاء ناصر العربي؟؟؟ ، أجاب : نحن ندير ثورة إسلامية كاملة شاملة المعاني.

يشار هنا إلى أن دور يزدي انتهى وإلى الأبد في الحال السياسي الإيراني، حاله حال كثيرين من رجالات الثورة الأوائل “فالثورات كالقطة تأكل أولادها”. يشار هنا أيضا إلى الناصرية العربية كانت مؤيدة لثورة مصدق في العام 1951 قبل ثورة الضباط الأحرار في مصر العام 1953 التي أطاحت الحكم الملكي ليبدأ النظام الجمهوري بقيادة عبد الناصر.

حوار يزدي ويوسف ابراهيم

ومن بعد لقاء الوفد اليماني، برئاسة عبد العزيز عبد الغني، مع يزدي، رجعت للفندق وهنالك سألني الصحافي العربي الأميركي يوسف إبراهيم عن فحوى اللقاء وما تم فيه؟، قلت له أن يزدي تحدث عن انتهاء “مقولة ناصر العربي؟”،  فما كان منه إلا أن ذهب على التو إلى الهاتف ليسال إبراهيم يزدي عن فحوى، ما أفاد به خلال لقائه مع الوفد اليماني الزائر عن الحال القومي عربيا وإيرانيا.

وكان جواب إبراهيم يزدي مواربا عن الذي صرح به في لقائه مع رئيس الوزراء اليماني الزائر، وهو أول وفد عربي يأتي إلى طهران مهنئا بانتصار ثورتها، حي لا تتجرأ دول عربية كثيرة في الجوار على ذلك، قال يزدي ليوسف إبراهيم “نحن ثورة إسلامية شاملة، في المحيط عربيا وإيرانيا”، ولكن يوسف إبرهيم حاوره كثيرا بحضوري عن الآتي على صعيد العلاقات مع المنطقة وخصوصا الشق العربي.

ورغم تعنت إبراهيم يزدي، في الجواب ، بالمقابل كان الرئيس عبد العزيز عبد الغني تكلم له خلال اللقاء عن تفاهمات جديدة بين إيران الثورة الإسلامية وبين الجوار على أساس من المصالح المشتركة، لكن يزدي كان يذهب بعيدا ليس فقط في أولويات ثورة أنهت عرش الطاووس على صعيد إيراني وحسب، بل أن هنالك طموحات أخرى. ولكن ما هي تلك الطموحات؟

ثأر من آل عثمان

وما عرفت من تلك اللقاءات أن الجميع من خلال لقاءات معهم من رجالات الثورة الجديدة، وخصوصا من الجيل الليبرالي الإسلامي الجديد في إطار الثورة الخمينية، كان  يهدف إلى بناء عاصمة جديدة للإسلام من قم  التي يعتقدون بأنه يجب أن تأخذ دورها مقابل العاصمة الإسلامية السابقة الآستانة (اسطنبول). وفي كل محاوراتهم، كانوا يشيرون إلى الثأر التاريخي من إمبراطورية آل عثمان السنية التي أنهت وجود آل صفوي في الإمبراطورية الفارسية في القرن السادس عشر.

كل ما كان يمكن تسميتهم بالليبراليين الجدد، في الثورة الخمينية ذابوا واختفوا، إما إعداما بتهمة مناهضة الثورة، أو فرارا من جحيم ثورة تأكل أولادها، وهم كانوا جميعا لهم طموحات التمدد للجوار على نهج ديني شيعي أو قومي لبناء الإمبراطورية الفارسية العظمى من جديد “دينيا أو قوميا لا فرق”.

وهؤلاء من الناشطين الشباب الإيرانيين التنويريين، لو ظلوا على تلك الشاكلة القومية ابتداء من أبو الحسن بني صدر الذي قاد أكبر تجمع بشري في جامعة طهران “لأكلت الدنيا بعضها بعضا، ليس على صعيد إيران وحدها بل في الإقليم كله” ، حيث كانت إيران متلهفة لثار تاريخي ليس من داخلها بل من الجوار عبر التاريخ، ولهذا كان مصير شاهبور بختيار أول رئيس وزراء للثورة الذي انتهى مصيره مغتالا في ضاحية باريسية من بعد منفى طويل، والثأر من الجوار له قصة طويلة ليست في انتشار ثورة الخميني وحب بل تمتد آثارها لقرون خلت مع الجوار.

من هنا كان لا بد للزعيم الجديد الملا آية الله الخميني، الذي لم يكن بعد وصل إلى مرتبة المجتهد في الترتيب الشيعي أكاديميا أن يأخذ القرار بيده، من بعد أن كشف عن المعطيات القائمة سياسيا على أرض بلاده من بعد فراغ السلطة.

وإذ كانت طهران تلتهب آنذاك ثورة، حيث ذهب الطاغية الشاه السابق وجاء المخلص الخميني، التقيت عديدا من آيات الله الذين كانوا معتبرين من المناهضين لنظام الحكم الشاهنشاهي البائد، وهم في لقاءاتي معهم، والعهدة إلى ما قالوه أنهم لم يكونون يثقون “بالخميني رائدا وقائدا لعصر إيراني جديد”.

لقاءاتي مع آيات الله

ففي لقاء خاطف لي مع آية الله الراحل شريعتمداري، وهو من أركان الحوزة في مدينة قم ، وكان نجله الأكبر قتل في مواجهات مع رجال الأمن الشاهنشاهي العام 1979 ، قال الآتي حين سألته عن موعد لقائه بالإمام الخميني المنتصر الجديد، عن عدم مشاركته استقبال الإمام الخميني العائد من المنفى” يا ولدي ، الخميني نحن بنيناه ثائرا، وهو قاد الثورة من دون أن لا نعرف، وهو يتعين عليه أن يزورنا في قم لا أن نذهب إليه في طهران، فنحن أن كانت ثورة في بلادنا، نحن أصحابها وليس هو”. وسألت الإمام الراحل شريعة مداري : هل تذهبون لاستقبال الإمام العائد في طهران؟ ، قال لا، عليه هو أن يأتي إلينا؟؟ ومن بعدها نتفاهم.

كلام شريعتمداري اتفق معه آيات كبار، اذكر منهم القمي والشيرازي والكلبايكاني وغيرهم ممن التقيت في قم أو في اصفهان أو شيراز في وقت لاحق.

والخميني على ما يذكر حسب جميع التقارير التي كنت شاهدها، حين عاد قائدا منتصرا لم يحاول الاتصال برجالات وزعامات الحوزة الدينية العليا لا في قم ولا غيرها، فهو اتخذ من مدرسة في جنوب طهران مقرا لقيادته الجديدة من بعد العودة، وكان معه عدد قليل من العائدين معه، هذا حسب ما عرفته من خلال لقاءات كثيرة مع رجالات الدين وآيات الله تلك الأيام. والخميني حين عاد اختط لنفسه طريق في التفكير والممارسة كأي ديكتاتور في منظومة العالم الثالث، ونأى بنفسه عن كونه أبا روحيا للجميع، ومن ساعتها اسقط كل رجال لليبرالية الإسلامية التحررية .

ومن بعد أن ثبت قدماه على الأرض الإيرانية فإنه لم يصبح فقيها أو عالم دين شيعي فقط ، وإنما جمع بين الزعامة الدينية والزعامة الثورية، بين الوعي والفقه الديني والوعي السياسي، لذا حقق لنفسه زعامته كارزمية احتشدت خلفها كل القوى الإيرانية المختلفة، وقبلها الشعب في مشهد عجيب يحتاج إلى دراسة عميقة عن قدرته على حشد الأمة خلفه بأسرها على مختلف طوائفها وأحزابها وقواها السياسية.

من هو الخميني ؟

والخميني هو روح الله بن مصطفى الموسوي، ولد في العام 1900  في قرية خمين التي تبعد (80) ميلاً جنوب غربي مدينة “قم” الشهيرة، حيث كان أبوه أحد علماء الدين المعروفين، إلا أنه قُتل على يد بعض عملاء أحد كبار الملاك، عندما أطلق النار عليه فأرداه قتيلاً؛ لأنه دافع عن بعض حقوق بعض المستأجِرين الفلاحين؛ فكانت حياته ثمنًا للوقوف بجانب الحق. كان عمر روح الله لم يتعدَّ شهورًا عند وفاة والده، فاعتنت أمه بتربيته حتى وفاتها  العام 1918 ، فذهب للعيش مع أخيه الأكبر الفقيه باسند يداه موسوي، وانضم إلى الحوزة العلمية لآية الله عبد الكريم الحائري، أحد علماء الدين الكبار في مدينة آراك التي تبعد 30 كم عن خمين مسقط رأسه، وفي العام 1922، قرر الحائري أن ينقل حوزته العلمية إلى قم المدينة العلمية في إيران، فانتقل معه الخميني، وكانت تلك أول مرة تقع فيها عيناه على تلك المدينة، ولم يكن له فيها مكان يعيش فيه حيث كان فقيرًا جدًا؛ لذلك أقام في المسجد الذي تُعقد فيه الحلقات العلمية، فكان يفترش الأرض، الأمر الذي لازمه طيلة حياته، فلم يستعمل السرير قط.

ولما أتم المرحلة الأولى من تعليمه ودراسته حصل على درجة علمية تسمى محلة السطوح العالية، وبدأ في مساعدة أستاذه في التدريس في مادتي الفلسفة والمنطق، ودرّس مقرر الأخلاق، إلا أن رجال الشاه منعوه من إلقاء هذه الدروس بحجة أن الأمور السياسية كثيرًا ما تتردد في دروسه.

وتزوج الخميني وهو في سن (25) من السيدة  خديجة بنت محمد الثقيفي وأنجبا عدة أولاد منهم مصطفى، الذي اغتالته السافاك (المخابرات الإيرانية إبان عهد الشاه)، وأحمد الذي كان يعتبر من كبار مساعديه، وثلاث بنات هن: فريدة وصادفة وفاطمة، تزوجن من علماء دين. والمعروف أن آيات الله (كبار علماء الشيعة) يكنّون بأسماء القرى والمدن التي أتوا منها؛ لذلك أطلق على روح الله  “آية الله الخميني” كونه كان ولد في بلدة خمين.

كل الأحاديث التي أجريتها آنذاك كانت توحي بشيء ما يحمله رحم الغيب، وسط هذا الزحام وانقلاب المعايير السياسية والدينية سواء بسواء، والأسئلة كانت حائرة لدى جميع المراقبين، من عرب في الجوار ومن الغرب الذي كان يراقب الثورة لا بل أنه ساندها، وخصوصا حين انتقد الرئيس الأميركي وقتها جيمي كارتر حليفه القوي الشاه في مسألة حقوق الإنسان، ولكن حين انهار عرش هذا الأخير، لم تتنفس إيران وحدها الصعداء، بل دول الجوار الخليجي وخصوصا البحرين التي كان الشاه يدعي ملكيته لها، كما أن دولا خليجية أخرى كانت تحس بأن غشاوة كبيرة انقشعت عن صدورها بزوال رضا بهلوي الذي كان يتأهب ليكون القوة الرابعة في العالم.

وجهان لعملة واحدة

لكن يبدو أن إيران الشاهنشاهية، وإيران الخمينية وجهان لعملة واحدة في التعاطي مع الجوار، وهذا ما تأكد لي خلال تلك الحوارات والمكاشفات الطويلة مع أبناء الثورة الجدد ليس من أهل العمائم السوداء وحسب بل من الصفوة المتعلمة التي نالت قسطا كبيرا من التعليم في الغرب أو حتى في بعض الجامعات العربية.

إذ من بعد أن ترسخ لها وجودها القادر في مواجهة الشيطان الأكبر، أميركا، وغلق سفارة إسرائيل، ومنح مبناها هبة لتكون سفارة لفلسطين، حيث أول سفير فلسطيني معترف به في العالم كان هاني الحسن، فإن إيران الإسلامية الجديدة، عاد لتعلن حالها الجديد ليس فقط لتنفيذ أحلام آل  قاجار ومن بعدهم آل بهلوي في التوسع على حساب الجوار العربي، حيث عائلة بهلوي استفادت من ضم المحمورة أو عربستان التي تسمى الأهواز راهنا ، لذلك هي بدأت علانية تتحدث عن تصدير الثورة.  

 هذا التصدير لم يكن يعني بحال الهند أو باكستان المجاورتين شرقا أو أفغانستان المجاورة شمالا حيث كانت محتلة للاتحاد السوفياتي ولا تركيا في أي حال من الأحوال، إنه كان يعني تصدير الثورة لدول الجوار الخليجية الصغيرة، حتى أن صادق قطب زاده الذي عين وزيرا للخارجية وجال المنطقة من بعد تعيينه في صيف العام 1979 أعلن في أكثر عاصمة خليجية وبقوة “المنتصر” عن أن الثورة الإسلامية يجب أن تشمل الجميع،،، وهو أيضا تجرأ على كل المحرمات البروتوكولية حين أعلن في الكويت أن البحرين قطعة من إيران؟ .

لقد كان هدف الخميني الذي بدأ في إسقاط رجالاته واحدا تلو الآخر، من أهل ربطات العنق كأبي الحسن بني صدر وشاهبور بختيار وحسين موسوي وإبراهيم يزدي وأمير عباس انتظام، نادبا عنهم للمهمات ذوي العمائم السوداء والبيضاء سواء بسواء، هو التفتيش عن ثارات بعيدة عبر التاريخ، وهو وضع نصب عينيه الأهداف السهلة في الجوار الخليجي الذي لم يكن متماسكا تلك الأثناء.

ثأر من العراق

ولقد كان واضح منذ البداية أن الخميني ورجالاته كان لهم ثأر مؤكد لدى العراق الذي طرده تحت ضغط من الشاه من بعد اتفاق الجزائر العام 1975 ، فكان أن وضع نصب عينيه تغيير النظام العراقي كأول أهداف الثورة الإسلامية ، وقد كان لوجود آية الله الخميني وعدد كبير من المقربين إليه في المنفى العراقي لأكثر من عشر سنوات خلال فترة التحضير النهائي للثورة، الأثر الكبير في جعل ذلك الهدف من الأولويات التي يجب العمل على تحقيقها لسببين:

 أولا:ً لحماية الثورة الإسلامية بجعل العراق خط الدفاع الأول عنها. إذ، وعلى مدى التاريخ، كان العراق الباب الرئيسي للحملات العسكرية التي اجتاحت إيران (بلاد فارس)، وزاد من خطورة هذه الجبهة حديثاً أن الثروة النفطية الإيرانية بمجملها تتركز على الحدود العراقية، الغربية والجنوبية. وجاءت الحرب العراقية ضد إيران غداة انتصار الثورة لتؤكد الأهمية الإستراتيجية لهذا الهدف.

ثانياً: للانطلاق بتحقيق الهدف الأسمى للثورة وهو توحيد الأمة الإسلامية وإعادة تركيز الإسلام كأساس ثابت ونهائي للحكم وللتشريع، وذلك باعتماد الثورة الإسلامية الإيرانية نموذجاً يحتذى في البلدان الإسلامية كافة، وهو ألمح إلى ذلك كثيرا في كتابه “الحكومة الإسلامية”، الذي كان طلب إلي ولي عهد الأردن السابق الأمير الحسن بن طلال نشرنهه على حلقات في جريدة (الرأي) الأردنية وقد فعلت.

لقد ضجت المنطقة كلها من شعار تصدير الثورة الذي صار هدفا إيرنيا ساميا تتحدى به طهران بحلتها الجديدة ليس دول الخليج والعراق وحسب، بل الشيطان الأكبر “الولايات المتحدة” التي كانت احتل شبابها من الحرس الثوري بقيادة محسن رضائي سفارة ذلك الشيطان، ومع تلويث أنف واشنطن بالوحل، فإنه لا بد من عمل شيء في الخفاء للرد بقوة على طموحات ثورة الملالي ومحاصرتها في مهدا ،،، لذلك وقع الخيار على الرئيس العراقي صدام حسين الذي تم تنصيبه تلك الأيام رئيسا للعراق خلفا لابن عمه الكهل الضعيف أحمد حسن البكر لينفذ مهمة الأصدقاء الأميركيين، وهكذا تفجرت الحرب العراقية الإيرانية في أيلول (سبتمبر) العام 1980 لثماني سنوات عجافا حصدت مليونين من الأرواح وكبدت المنطقة خسائر قدرت بحوالي 600 مليار دولار ولا تزال المنطقة بما فيها إيران والعراق تعاني تلك الجروح التي لن تندمل لقرون تأتي.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: