Leave a comment

بين لحية محمد مرسي و”النمط الإسلامي التركي” هناك فرق

الرئيس المصري الجديد محمد مرسي يدخل مكتبه الرئاسي لاول مرة بعد اعلان فوزه رسميا يوم 25 يونيو .. رويترز

مع وصول مرشح الإخوان المسلمين في مصر محمد مرسي “منزوع الدسم” و”منزوع الصلاحيات” الى سدة الرئاسة، فإن رزمة كبيرة من “العقد” يتعين على هذه الجماعة الدينية تخطيها إذا “سمحت الظروف المحلية والإقليمية” لتتبوأ مركز القرار الأول والأخير في البلاد التي للمرة الأولى تنتخب رئيساً ليس من خلفية عسكرية في الستين عاما الماضية التي هي من عمر الرئيس الجديد.

 وإذا كان طموح حركة الإخوان المسلمين الوصول الى سدة الحكم في مختلف عواصم العالم العربي والمحيط الإسلامي، فإنها تضع نصب عينيها “النموذج الاسلامي التركي” لتحقيق ذلك، ولكن شتّان ما بين الحالين والطموحين والصيرورتين. وشتان ما بين لحية محمد مرسي ولحى اقطاب جماعة الاخوان المسلمين التي هي رمزهم ووجوه زعامات حزب العدالة التركي الحليقة !.

كما أن حزب العدالة التركي لم يصل الى السلطة عبر شعارات “دينية” مثل “الإسلام هو الحل” أو خلافه كما هي شعارات الإخوان المسلمين الذين بم يتقدموا نحو الإسلام الحضاري الذي من المفترض به أن يحاور الآخر ويعترف به.

 لقد ظلت حركة المسلمين بمختلف جماعاتها عبر العالم العربي ترفع شعار “الإسلام هو الحل” وهو ما قاد إلى ممارسة القمع ضدها من جانب أنظمة “تدعي” العلمانية مع أنها إما ملكية وراثية في الأساس أو عسكرية مستبدة وصلت السلطة على متن دبابة لا من صناديق الاقتراع.

 وإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر بكل ما لديها من تراث في الشعارات الدينية والالتزام بحكم الشريعة وحلمها بالثار التاريخي من الأنظمة السابقة لمطاردتها لها وتصفية زعمائها مثل حسن البنا مؤسس الجماعة وسيد قطب المنظر البارز استطاعت الوصول الى اهداف “مبتسرة” الى اللحظة، فإن غياب برنامج إصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي عريض قابل للتنفيذ بما لا يتعارض مع “اصول الشريعة” يضعها أمام الامتحان العسير.

 صحيح أن الرئيس الاخواني الجديد محمد مرسي تعهد بـ “الدولة المدنية” في أول تصريحات له بعد اعلانه رئيسا فائزا، ولكن مثل هذا التعهد إذا تم تنفيذه فإنه سينعكس سلبيا على المدى الطويل على شعبية الجماعة في الشارع الشعبي “البسيط” الذي كان يرى فيها كجماعة مؤمنة بالله مأواه أمام ماكينة التسلط من الحكم المدني الذي ظل يتفرد بها شخص واحد مع عصاباته لعقود خلت، فضلا عن الحكم الملكي الذي امتد منذ محمد علي مؤسس مصر الحديثة في منتصف القرن التاسع عشر.

 كما أن تعهد الرئيس مرسي بالحفاظ على اتفاقيات وتعهدات مصر الدولية يثير التساؤل حول اتفاقيات السلام مع إسرائيل وكذلك مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها من الاتفاقيات التي تعتبر “محرمة” من وجهة نظر إسلامية.

 الملاحظ ايضاً، وهو ما يؤكد أن جماعة الإخوان المسلمين لا هدف لها سوى تحقيق طموح كرسي السلطة في أي ثمن ولو على عاتق “المبادىء الإسلامية” التي ظلوا ينادون بها منذ تأسيس الحركة، فهم من خلال الرئيس المنتخب مرسي بدأوا السعي حثيثاً لاسترضاء العسكر وهم القوة الحقيقية في إدارة البلاد حيث لا يعتقد أحد أنهم سيسلمونها بسهولة في المدى المنظور.

 هنا يتضح البون الشاسع ما بين النمط التركي الإسلامي واي نمط إسلامي آخر يهدف للووصول الى الحكم. وحتى لو تمكنت جماعة الإخوان المسلمين في مصر من حيازة السلطات كافة كما هو حزب العدالة التركي فانها في نهاية المطاف لن تتمكن من تنفيذ منظومة الإصلاحات السياسية والقانونية والدستورية كتلك النظيرة في تركيا.

ليس لمصر طموح في الانضمام للاتحاد الأوروبي، حتى تنفذ الجماعة اصلاحات على النمط التركي لترضي الاتحاد، طموحات مصر داخلية أكثر منها إقليمية، والأسباب الداخلية هي وحدها التي أطاحت نظام مبارك وقادت إلى ثورة ميدان التحرير، عدا ذلك فان مصر كان لها دورها الإقليمي والدولي المتميز.

 لذلك، فإن اية حكم إسلامي شامل في مصر لا بد من أجل قبوله على مستوى محلي أن يقدم “أجندة” كاملة لتوفير “رغيف الخبز” أولاً ثم يجسد الوحدة الوطنية ثانيا بعيدا عن الطائفية في بلد يضم 14 % من الأقباط منقوصي الحقوق.

 ما لا يستطيع إسلاميو مصر ان اكتمل “عقد الحكم تنفيذيا وتشريعيا” لهم الآن ولو بعد حين، عبر المؤسسة الشرعية “البرلمان” تنفيذ ما نفذه حزب العدالة التركي ببسساطة وسهولة ويسر عبر هذه الؤسسة ذلك لوجود التفاهم الوطني اساساً على تلك الأهداف بينما هناك الكثير من المعوقات والأسباب الأيدولوجية والتاريخية وهي موضع جدال وصدام مما يجعل الوحدة الوطنية في مصر “صعبة المنال” حول تلك الأهداف والاستحقاقات.

 من أمثلة ما حققه حزب العدالة التركي وهو ما لم ولن يستطيع تحقيقه إخوان مصر مهما كانت الظروف إلا إذا تخلوا عن “الشريعة الإسلامية” التي هي مرتكز ايدولوجيتهم، ما قام به البرلمان التركى عام 2004 حين وافق على اقتراح مقدم من حكومة طيب رجب أردوغان بإلغاء عقوبة الزنا، وكان الحكم بالسجن، ووافق البرلمان، رغم ارتفاع بعض الأصوات المتحفظة أخلاقياً على هذا الإلغاء، واعتبر رئيس الوزراء هذا الإلغاء تدعيما لاحترام الحريات الشخصية للمواطنين البالغين الراشدين، وتماشيا مع منظومة الحقوق السائدة فى الدول الأوروبية.

 كما وقعت حكومة أردوغان على وثيقة تتعهد بإلغاء عقوبة الإعدام، وتم إلغاؤها بالفعل فى التعديل الدستورى الذى تقدمت به حكومة حزب العدالة والتنمية عام 2006، واستفاد من هذا الإلغاء عبد الله أوجلان زعيم حزب الاستقلال الكردى السرى، وواجهت الحكومة بشجاعة الاعتراضات الفقهية والسياسية التى قامت فى وجه هذا التعديل، وجدير بالذكر أن الاحصائيات فى تركيا، كما فى غيرها من الدول التى ألغت عقوبة الإعدام، لم تظهر أى ارتفاع فى معدل الجريمة بعد إلغاء العقوبة.

 وأخيراً نص الدستور التركى المعدل عام 2006 على حرية المواطنين فى اختيار الدين، وهى خطوة لم يجرؤ على القيام بها أتاتورك نفسه، ولا أنصاره فى الجيش، وبناء على هذا النص لم يعد الخروج عن الدين تهمة، بل أصبح حقاً لا يتعرض من يمارسه لأى أذى قانونى أو اجتماعى، وهكذا يكون حكم الإسلاميين قد دعم حداثة الدولة التركية بأن جعلها أكثر علمانية.

 وقد يقال أن هذه الإصلاحات قام بها الإسلاميون الأتراك لمغازلة الاتحاد الأوروبى وتحسين فرصة تركيا فى الانضمام إليه، وليكن، فمن حق الحكومة التركية أن تضع لنفسها ما تشاء من استراتيجيات.، ولكن المهم هو أن المواطنين الأتراك يحصلون بفضل هذا الطموح على مزيد من الحقوق، ومزيد من الحريات فى مواجهة سلطة الدولة، كما أن تركيا باتخاذ هذه الاصلاحات تستجيب للمواثيق الدولية الملزمة، والتى تفرض نفسها أكثر فأكثر على جميع نظم الحكم فى العالم.

 ثم ان هناك أمراً جدلياً مثيراً آخر، وهو أن جماعة الإخوان المسلمين لا تخلو من “طائفية” وخاصة بالنسبة لـ”الشيعة” على نحو إسلامي عريض، بينما لا توجد مثل هذه النظرة عند حزب العدالة التركي الذي يمثل الشيعة أكثر من 30 % من نسبة ناخبيه، فضلا عن تميز الحزب بعلاقات وثيقة مع قيادات الجمهورية الإسلامية في إيران.

 وأخيراً، فكما كان الباحث المصري الدكتور أنور مغيث في مقال نشره في صحيفة (اليوم السابع) في 30 ابريل/ نيسان 2011 فانه يتضح أخيراً من هذه الإصلاحات أن الإسلاميين فى تركيا قد فهموا معنى الدولة المدنية الحديثة، القائمة على القانون الوضعى والعلمانية، لكن المشكلة تظل فى الإسلاميين بكافة تياراتهم عندنا، فلو اتخذ أى نظام عربى إسلامي مثل هذه الإصلاحات لاتهموه بالعداء للإسلام، وفى نفس الوقت يستمرون فى الحديث عن النموذج التركى باعتباره نموذجاً ناجحاً لحكم الإسلاميين.

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: