1 Comment

كنت في قمة الطائف الإسلامية 1981 .. تاريخ يعيد نفسه

شعار منظمة المؤتمر الاسلامي

كنت في مهمة صحافية لتغطية فعاليات ثالث قمة إسلامية لكنها الأولى من نوعها تعقد في الطائف في المملكة العربية السعودية ما بين 25 و28 يناير/ كانون الثاني 1981، وكنت مراقباً أيضاً لـ”تشابكات ومماحكات” الزعماء العرب الذين حضروا جميعا إرضاء للسعودية رغم كل مناكفاتهم.

 كانت تمت الدعوة للقمة  في اجتماع المؤتمر الإسلامي العاشر في فاس المغربية ما بين 8 – 12 مايو/ايار 1979 أي قبل ذلك بعام ونصف العام، وقد جاء انعقاد القمة التي حملت اسم “مكة المكرمة” تحت شعار “دورة فلسطين والقدس الشريف” رغم أن اجندتها كانت غير ذلك.

 وقتها كانت حال العالم الإسلامي مشتتة بين الحرب العراقية – الإيرانية التي اندلعت لتوها بين نظامي صدام حسين المدعوم من كل العرب ما عدا سوريا وآية الله الخميني المدعوم من سوريا “حافظ الأسد” وحدها فضلا عن الاحتلال السوفياتي لأفغانستان وكانت الدول الإسلامية حشدت ضد موسكو بقيادة المملكة العربية السعودية ودعم كامل من الولايات المتحدة.

 لغرابة المفارقات انني هذه المرة وصلت الى الديار السعودية لمهمة صحافية غير أردنية ولاول مرة، فقد كنت أمثل صحيفة (الخليج) الإماراتية ولذلك فقد كنت ضمن الوفد الصحافي المرافق للراحل الكبير الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

 وحيث التاريخ يعيد نفسه، مع بعض المتغيرات هنا وهناك، في إطار “الزوبعة” التي يشهدها العالم العربي التي تسمى “الربيع العربي”، ومع ما رافق هذا من تبادل لـ “لعبة الكراسي”، فإن ما يتسم به العالم العربي على الدوام هو الافتراق الدائم بين قياداته في شكل ممنهج وعكسي ضد إرادة الشعوب الطامحة للوحدة.

 وحيث لم تحضر إيران ولا القيادة الإفغانية التي كانت منصبة من جانب السوفيات المؤتمر وبقي مقعدها فارغا رغم حضور وفد افغاني برئاسة قلب الدين حكمتيار كـ”مراقب”، فإن الحضور العربي كان تاما غير منقوص ولكن بـ “مماحكة تامة” بين الزعماء كما هو معهود.

 كان التناقض في المواقف العربية كالعادة واضحا منذ اول يوم للاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية وخاصة العرب منهم في شأن ضرورة الحضور الإيراني، وقد استغرقت المشاورات يومين كاملين بين الوزراء بين مؤيد لإرسال وفد لطهران لحثها على المشاركة او معارض، وحينها كشف لي الامير سعود الفيصل في حديث خاص انه “سيتم ارسال وفد لطهران رغم معارضة البعض … ونأمل بمشاركتها” … الذي يبدو أن موقف الزعيم الايراني الراحل الخميني كان حاسما وهو “رفض المشاركة ما دامت قوات صدام حسين تهوج وتموج في الأقاليم الغربية الإيرانية وما دامت طائراته المقاتلة تدك طهران وقم وبوشهر و…. الخ من المواقع”.

 وحيث تمكن الزعماء في نهاية المطاف بدء فعاليات قمتهم في الطائف، فانهم انتقلوا في اليوم الأخير لعقد جلستهم حول الكعبة المشرفة،، ويومها بدت التناقضات واضحة في صحن “البيت العتيق” الذي جعله الله “مثابة للناس وأمناً” للمؤمنين. فهل كانت جلسة قادة المسلمين كانت “مثابة للناس وأمناً” ؟.

 بالتأكيد لا ؟!

 حول البيت العتيق، رايت وسمعت كيف هو الحال العربي منقسم ولا ينفع معه علاج الى يوم الدين ..

 إذ بعد ثوان من جلوس الزعماء ووفودهم المرافقة على الأرض عاد “الملك الراحل خالد بن عبدالعزيز جلس على كرسي نظرا لتردي حالته الصحية” وقف الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على حين غرة صائحا بصوت عال: يا جلالة الملك خالد .. نحن هنا اليوم أمام الكعبة المشرفة، وعلينا في هذا الموقف ان نقسم كلنا أمام الله بضرورة تحرير فلسطين والقدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك .

 هنا .. انطلق صوت الملك خالد وكان واهنا .. يا ابوعمار .. يا أبو عمار .. يا رجل .. يارجل … خاف الله .. خاف الله … كيف تريد الزامنا امام هيبة الله وقدسيته أن نقسم مثل هذا …

 فما كان من ولي العهد آنذاك “الراحل الملك فهد إلا أن نهض وسار نحو ياسر عرفات” وهمس باذنه ما جعله يتوقف عن دعوته فجلس الزعيم الراحل مكانه وصمت.

 قبل صلاة العصر .. قام الزعماء بالطواف حول الكعبة المشرفة والسعي بين الصفا والمروة، ثم سمحت السعودية مضيفة القمة بفتح بوابات الكعبة لهم لدخولها حيث من النادر جدا ان تفتح إلا نادراً ولمناسبات خاصة جداً.

 ما علينا .. ويا لفجيعة ما شاهدت ..

 أمام هذا البيت المقدس والمكان الذي هو قبلة المسلمين في أنحاء الأرض كافة ويجمعهم في كل مكان على مدار اليوم في التوجه اليه بصلواتهم وادعيتهم وابتهالاتهم،،، كان ما رايته “الكارثة الكبرى” ؟؟

 ورغم انعقاد القمة في مطلع عام هجري جديد، وتزامنا مع الاحتفالات بذكرى المولد النبوي، فالزعماء العرب المتضاغنين بباس شديد المتحاربين بنزق صارخ المتصادمين بعقل جهول .. لم يعيدوا حرب البسوس ثانية وحسب بل اكدوا أن هذه الأمة التي انشطرت منذ غياب هاديها الأول محمد بن عبدالله لن تتوحد ابداً حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 فعند بوابة الكعبة على اتساعها لم يحاول كلا الملك المغربي الراحل الحسن الثاني والرئيس الشاذلي بن جديد أن يتصافحا أو على الأقل أن يبتسما لبعضهما بعضا، فكلاهما اشاح بوجهه عن الآخر حين تلامست كتفيهما عند الباب الشريف فابا واستكبرا بين أمام بيت عزيز مقتدر.

 كذا الحال مع الرئيسين الراحلين العراقي صدام حسين والسوري حافظ الأسد فحدّث ولا حرج .. فكل منهما حال دون الآخر في حركات أمنية غير مسبوقة وكانت لافتة دون أن يسبق الآخر “صاحبه العدو” من دخول الكعبة أولاً .. لكن بذكاء سعودي باهر تمكنا في النهاية من فك الاشتباك الخفي فمكّنا الرئيسين من دون رجال أمنهما من دخول الكعبة بسهولة ويسر.

 أما ما كان بين الملك الراحل الحسين بن طلال والرئيس الأسد، حيث كانت العلاقات في اسوأ حالاتها مع حروب كلامية تطايرت شظاياها الى كل مكان، فكان لا يقل شاناً، فقد دعاني أحمد اللوزي وكان رئيساً للديوان الملكي آنذاك رغم وجودي مع الوفد الإماراتي الإعلامي للسلام على الملك في فيلته الخاصة في الطائف، وحين ذهبت ضموني للمؤتمر الصحافي الذي عقده الملك حيث أوحي إلي أن اساله عن العلاقات الأردنية – السورية !

وحين سالت الملك عن ما يجري بين عمان وجارتها دمشق؟ .. سمعت من الملك الراحل ما لم اكن سمعته قبل سنوات قليلة من ذلك التاريخ حين كانت العلاقا بينهما تتجه نحو التكامل الشامل والوحدة .. في كلام الملك الحسين سمعت تعبيرات لعل أقلها رده على تهديدات سابقة للرئيس السوري حافظ الأسد بقوله: قادرون في الأردن ببتر اي يد تمتد للأردن من الكتف.  

* هنا لا بد من الإشارة إلى أن جمهورية مصر العربية لم تشارك في القمة، حيث كانت وقتها مقاطعة من الجامعة العربية وكذا الحال من منظمة المؤتمر الإسلامي بسبب توقيعها منفردة اتفاقيات السلام مع إسرائيل.

 * وإلى ذلك، فإنه كعادة بيانات اية قمة عربية أو إسلامية .. وضع بيان مكة المكرمة الختامي على الرف إلى اللحظة ولم ينفذ من بنوده أي بند .. وكل ما جرى بعد ذلك على الساحة العربية والإسلامية لم يكن أكثر من نتائج لتداعيات وتطورات تتطلبها اللحظة التاريخية الراهنة كالتي نشهدها حاليا على وقع “الربيع العربي”  

  

One comment on “كنت في قمة الطائف الإسلامية 1981 .. تاريخ يعيد نفسه

  1. جميلة هذه الذاكرة الدقيقه، ولعلك تسجل ما لديك، فكلنا طريقنا الى الهرم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: