Leave a comment

هزاع المجالي .. لا تزال صرخة “أم الأمجد” سميحة بنت ارفيفان تهزّ فينا الوجدان

صورة من الأرشيف اختارها شقيقي موسى الشراري المجالي (أبو عون) من الأرشيف للشهيد الكبير هزاع المجالي والى جانبه الملك العظيم الراحل الحسين بن طلال خلال رقصة السامر “الدحيّة” الشعبية خلال زيارة للكرك

 

لم يفجع فتى في مقتبل العمر بحدث صادم كما فجعت باستشهاد هزاع المجالي هذا الحدث الذي يبدو أنه شكّل نقطة بارزة في مختلف فصول حياتي المتتالية وإلى اللحظة. والحدث كان منعطفاً خطيراً وخطباً في الصميم بي تاريخ الأردن الحديث وإلى هذه اللحظة.

.. هزاع المجالي، لم يكن بالنسبة لي عمّاً كبيراً كغيره من الأعمام وأحد كبار قبيلتنا وأعلامها البارزين عبر تاريخها الممتد لقرون وحسب، بل يمكنني القول إنه كان أحد واضعي اللبنة الأولى في تعلّمي ألف باء ما يمكن تسميته “الملاسنة” و”الجرأة” التي أدخاتني إلى عالم الكلمة الحرة بكل تفاصيلها بعد عقد كامل من رحيل هزاع.

منذ رحيل ارفيفان باشا المجالي رئيس الحكومة الوطنية المؤابية 1920 التي أنشئت بعد انهيار الحكم الفيصلي وعميد حكماء الأردن عامة والكرك “حاضرة مؤاب” بصفة خاصة في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وجد هزاع في جدي نايف (باشا) ابن خليل المجالي مرشداً ومستشاراً فكان لا يبرح مضاربه ودياره في بلدة القصر/ الكرك طوال فترة الخمسينيات.

تلك السنوات عرفت هزاع المجالي عن قرب كطفل مدلل عنده وفتى “مسحوب من لسانه” كما كنت أسمع وسمعت لاحقاً (!)، وكان كلما يحط موكبه في مضارب جدي يسارع إلى مناداتي ويجلسني إما في حضنه أو إلى جانبه ويهمس في أذني ببضع كلمات كلها “تثوير” لي لأقوم بمهمة “الشتائم البريئة” نيابة عنه لبعض كبار القبيلة ومن بينهم معارك باشا ابن ارفيفان “منافسه في البرلمان” وادميثان باشا ابن محمد وفيصل باشا ابن فريوان وغيرهم كثير ممن كانوا لا يروقون له في مجلس العائلة الكبير في مضارب جدي.

مقابل ذلك كان هزاع يمنحني مكافأة مالية كانت وقتها سخية لا تتجاوز الخمسة دنانير وهي تتفاوت حسب حجم الرجل الذي كان يؤلبني عليه لأوجه له الشتيمة. حتى أنه مرة قال لي: إذا استطعت أن “تبطح” أي تلقي ارضاً، امجد وايمن (ولديه) حين كانا رفقته في إحدى زياراته ستكون الألعاب التي يملكانها ملكاً خاصاً لي،،، وفعلاً نفذت المهمة وحصلت على الألعاب التي لم نكن نفهم التعاطي معها في ريفنا وبوادينا عكس اطفال العاصمة عمّان.

كانت آخر مرة رأيت فيها راحلنا الكبير، في ربيع العام 1960 حين جاء يزور جدي الذي كان وقتها يعاني المرض، مصطحباً معه طبيبين من القوات المسلحة الأردنية كان أحدهما الدكتور عبدالسلام المجالي الذي احتل في وقت لاحق مركز العمادة ولازال في قبيلة آل المجالي وهو أحد رجال الدولة الأردنية البارزين.

أذكر وقتها أنه أجلسني إلى جانبه ولكن هذه المرة لم يحفزني على أن أشتم أحداً لعدم وجود من كان يتقصدهم، فهو في زيارة إنسانية لعيادة رجل كهل مريض يحبه حتى النخاع وكان يخشى رحيله فمثل هذا الرحيل يُفقده واحداً من أعز رجال الحكمة في العائلة، لكن تشاء الصدف والأقدار أن يرحل هزاع قبل جدي بعد ذلك بأشهر معدودات ويُفجع جدي ويتفطر قلبه كما نحن جميعأً ومعنا كل الأردنيين والعرب المخلصين على فقدان هزاع نتيجة المؤامرة الكبرى التي لا يزال مسلسلها قائماً ضد الوطن الأردني وأهل هذا الوطن والمخلصين للقضايا القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي هي مرتكز الهمّ الأردني وستبقى لعقود تأتي حتى نيل شعبنا الفلسطيني الشقيق حريته وسيادته وانتزاع حقه في إقامة دولته المستقلة.

في يوم الاثنين الموافق 29 أغسطس/ آب 1960 وبينما كنا نستعد ليوم دراسي في اليوم التالي تسمّر الجميع أمام المذياع وكان صوت الاعلامي والاذاعي الجهبذ صلاح ابو زيد يلعلع: “بورك الدم يا كرك … بورك الدم يا كرك، بورك الدم يا عمان، ويا قدس ،ويا خليل الرحمن ، بورك الدم يا معان، بورك الدم يا نابلس ، بورك الدم يا اربد، بورك الدم يا جليل”.

كانت كلمات أبو زيد إعلاناً تأبينياً باستشهاد هزاع المجالي وكوكبة طيبة الذكر من ابناء الأردن المخلصين من بينهم زهاء الدين الحمود وشيخ مشايخ الكرك جمال باشا ابن عطيوي المجالي،،، خلال عمل دنيء خسيس ترفضه أخلاقيات العرب وقيمهم حين اقدم إرهابيون مجرمون بتفجير مبنى رئاسة الوزراء في قلب العاصمة نيابة عن أجهزة المخابرات السورية “المكتب الثاني” في عهد الوحدة مع مصر بقيادة سيء الذكر عبدالحميد سراج.

في تلك اللحظات الرهيبة، لا أنسى ان نسيت منظر جدي الكهل وهو “يجوح وينوح ويلطم خديه ويمزق ما تبقى له من شعر أبيض” وكان أنهكه المرض، معلناً الحداد بطريقته الخاصة على هزاع وصحبه في التفجير الاجرامي، فقان بقلب دلال القهوة التي كانت عامرة في مجلسه وأطفأ نيران مواقده، ونهض من مجلسه منادياً ابناء القبيلة للتداعي للثأر من القتلة.

كان جدي قبل ذلك بعامين، حملني مسؤولية لم أكن في مستواها وهي أن اقوم بقراءة كتاب “تاريخ الأردن في القرن العشرين” الذي كان الفه الراحلان منيب الماضي وسليمان الموسى بتوجيه من هزاع المجالي ووصفي التل في العام 1959 . ورغم أنني كنت في الصف الخامس الابتدائي فقد انهيت مهمة قراءة المجلد الضخم خلال سبعة أيام، وكان جدي يستوقفني في القراءة ليستذكر هو نفسه بعض الأحداث التي كان عايشها عن قُرب وكان فاعلاً فيها في مسيرة الأردن منذ تأسيس الكيان 1921 وكان يصحح بعض المعلومات.

كانت تلك تجربة ثرية لي في التعاطي مع الكتب وأحداث التاريخ واستمرت التجربة الى الآن مع تصاعد التصاقها معي عبر السنين من خلال البحث والتمحيص الدقيق في الأحداث وحركة التاريخ ونتائجها على الواقع الحديث.

هذه التجربة ربما أسست عندي مع تكليف جدي لي بقراءة صحيفة (الجهاد) المقدسية التي كنت آتي بها إليه من مخفر شرطة القصر بعد ظهر كل يوم حيث كانت تُرسل بإسمه من مكتب الجريدة في عمّان ، إلى أن أكون واحداً من أبناء بلاط صاحبة الجلالة “الصحافة” في مايو/ أيار العام 1971 من خلال انضمامي لصحيفة (الرأي) قبل صدورها بايام معدودات، وأن أكون أحد الصحافيين المحظوظين رغم صغر السن لدى شهيد الأردن الكبير وصفي التل رفيق درب هزاع، فاستمرت معركتي الصحفية طوال هذه العقود إلى اللحظة بحلوها ومرّها ومعاركها وحروبها وانتصاراتها وانكساراتها.

لقد تعلمت من تجربة هزاع ووصفي التل في مراحل لاحقة أن الصمود وطن، وأن الوطن قضية تنمو في شرايانات القلب وحدقات العيون، وأن الانتماء للوطن له شروط العمل المخلص الدؤوب حتى الشهادة، فتراب الأوطان لا يرخص ويهان إلا عند الأنذال من الرجال وأشباه الرجال ذوي الطموحات البائسة الرخيصة.

وإذ بعد 52 عاماً كانها الأمس القريب، فإن هزاع بن بركات المجالي لا يزال شامخاً على صهوة جواد الانتماء الوطني، ثابتاً راسخاً كجبل شيحان الأشم الذي لا تهزه رياح السموم وزلزال البغي والتآمر، يستنهض فينا عزيمتنا وشهامتنا لمواجهة المؤامرة ضد الأردن وأهل الأردن، والتداعي للوحدة الوطنية والتماسك والثبات لاستعادة هيبة الدولة والتحفز لمواجهة الخطر الذي ظل رفيق درب شعبنا لثمانية من العقود مع تأسيس الدولة الحديثة التي نطمع ونطمح أن تكون في مصاف الدول الفاعلة المؤثرة في الإقليم، وأن تكون أنموذجاً حقيقياً للدولة العصرية عبر ديموقراطية مؤصلة تحترم حقوق الإنسان وكرامته وترسخ مفهوم المشاركة الشعبية في القرارات المصيرية بالعمل لا بالتنظير والخطابات والايدولوجيات والوعود والملفات المهترئة.

هزاع أيها العظيم .. كم كنت حبيباً وصديقاً لي .. ولم تكن تكفيني خلال زيارة لي للأردن أن قمت أنا بتنظيف باحة ضريحك الكريم وثراك الطهور في الربة قبل أربع سنين بيدي العاريتين حيث لم ولن أوفيك حقك ما حييت، فأنا أحيا بك وأنت تحيا بي، أنت تقمصتني وأنا احتشدت بك.

لا زالت تتراءى أمامي صورة والدي صديقك وأخيك ورفيقك الراحل “الشراري بن نايف” وهو يروي لنا كيف انه كان على موعد لقاء معك لحظة استشهادك، وكيف أنه وهو في الطريق إليك رأى بأم عينيه التفجير الدموي الإرهابي البشع .. !

يا إلهي .. كم أنا كنت محظوظاً ومفجوعاً بك في آن معاً ؟ فكم من بين أطفال العالم كانت لهم فرصتي بصداقة “رئيس وزراء ورجل دولة غير مسبوق كهزاع” وهذا مصدر فخري واعتزازي وانتمائي إليك وتعلقي بك الذي يزداد مع الأيام.

هزاع يا نحن ويا كلنا أنت.. يا طعمنا ومذاقنا وعزّنا وكوكبنا الذي يطلّ دائماً يذكرنا بأنفسنا بحالنا وبوجودنا وبوطننا .. على من مثلك تبكي العذارى والرجال، وعلى من مثلك يغيب “نجم سهيل” وتنكفىء دلال قهوتنا وتقص جدائل عذارانا حداداً ،، ولذكرى قامتك العالية ووجهك البهي تكون الشهادة والدماء وطناً حقيقياً خالداً.

ولازالت صرخة أم الأمجد “سميحة بن ارفيفان” تهزّ فينا السمع والإحساس والوجدان .. ولا نامت أعين الجبناء !

** نصر المجالي

 

 

  

 

 

 

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: