Leave a comment

الأردن بين “مطرقة” الإعلام الغربي .. “سندان” الإستحقاقات و”أسوأ” الخيارات

الملك عبدالله الثاني يجهد للتحاور مع الجميع … لكن هل هذا يكفي ؟؟

 * كتب نصر المجالي

 لا أبالغ حين أقول بوضوح انني حين اتابع ما يكتبه بعض المحللين والمراسلين البريطانيين في صحفهم أو ما يصدر عنهم عبر لقاءات تلفزيونية أو إذاعية أحس بمحاولات متعمدة لقلب الحقائق أو رؤية نصف الكأس الملآن وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بقضية شرق أوسطية على تداعيات “الربيع العربي” الممتد منذ عام ونصف العام وأطاح إلى الآن أربعة زعماء، ذهب أحدهم قتلاً (القذافي) والآخر نفياً (زين العابدين بن علي) والثالث للتقاعد (علي عبدالله صالح) والرابع سجناً (حسني مبارك)، بينما يراوح الخامس (بشّار الأسد) مكانه ضمن صراع القوى الكبرى.

وفي “هرولة” بعض هؤلاء من الكتاب والصحافيين والمحللين لم يسلم الأردن من التناول بمعايير مختلفة ومزدوجة سواء بسواء، ولم أفاجئ إطلاقاً بكل كلمة كتبت أو تعليق قيل عبر إذاعة أو قناة تلفزيونية بريطانية لما صدر عن العديد منهم، ولربما نجح البعض في وضع إصبعه على الحقيقة لكن البعض الآخر ظل في وجهة نظري يحلل المعلومات في عالم من الخيال أو الوهم أو استناداً لمعلومات مغلوطة مصدرها شائعة أو لقاء مع معارض حقيقي أو آخر في طريقه للنجومية عبر حراك شعبي هنا أو هناك.

وحيث واجهت أنا شخصياً حيث تعتبرني وسائل الإعلام البريطانية أحد المختصين بالشأن الشرق أوسطي وخاصة الشق الأردني منه، بعض المناكفات خلال لقاءات إذاعية أو تلفزيونية وجدت نفسي فيها أمام أسئلة من جانب المذيعين أو المذيعات أو بعض المراسلين لا يوجد لها ارتباط مع الواقع أو انها لا تلامسه تماماً خصوصاً في الشأن الأردني،، للأسف احسست على الدوام أن هناك من “تدغدغه” أحلام سيل انهار من الدماء على الساحة الأردنية،،، لكن الأردنيين مجتمعين أحبطوا هذه الأحلام في مهدها.

وفي كثير من المرات واللقاءات، احسّ أن هناك من يتعمد الزج بالأردن نحو دائرة الخطر أو أن يظل دائماً تحت المجهر .. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن قناة (بي بي سي العربي) التي تتبارى مع قناتي (العربية) و(الجزيرة) في سباق حاد محموم على ادعاء تفجير الشرارة الأولى لـ(الربيع العربي) حاولت لمرات عديدة وعبر مقابلات خاطفة بثت على الهواء مباشرة وضعي أنا شخصياً محتمل غيري أيضاً، في حالة الدفاع عن الأردن أو لنقل توضيح بعض الحقائق التي أراها وأحسها لمتابعتي الحثيثة لما يجري من تداعيات على الساحة الأردنية.

وهنا يمكنني الإشارة إلى إحدى المقابلات التي حاولت خلالها المذيعة وضع الكلام في فمي عن “تفجر مظاهرات غضب شعبية في الأردن في احد أيام الجمع”،، فأجبتها بما لا يعجبها قائلاً: يا سيدتي تتكلمين عن عشرات الآلاف ساروا في المظاهرة، لكن تأكدي أن عديد المشاركين لم يتجاوز الثمانمائة باعتراف المنظمين أنفسهم، جوابي هذا اثار غضبا كدت اراه على وجه المذيعة السائلة، خاصة لأنني لم أركب الموجة التي أرادتها لا بل تريدها هيئة الإذاعة البريطانية في توجيه التطورات في الأردن كما تريد لا كما تشير الوقائع على الأرض.

أدرك، أن الأردن ليس بعيداً عن آثار (الربيع العربي)، وأدرك جيداً أن الإصلاحات التي انتهجها الملك عبدالله الثاني لا تلبي جميع طموحات الحراكات الشعبية، وكذا الحال، فإنني على يقين تام بأن ما يجري في سوريا سيكون له تأثيراته الإيجابية أو السلبية حسب ما تأتي به نتائج الصراع القائم حالياً على سوريا وفي سوريا.

* واقع الاردن الديموغرافي

يفوت العديد من المحللين والصحافيين البريطانيين وبعض أقرانهم في الغرب، أن واقع الأردن الجيوبوليتيكي مختلف عن دول الجوار العربي، نظرا لارتباط الأردن شاء أم أبى منذ قيام الدولة الحديثة إلى الآن مباشرة بقضية الصراع العربي – الإسرائيلي، وصولاً إلى احتمالات تسوية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على ما تبقى من الضفة الغربية، واحتمال قيام نوع من الوحدة الفيدرالية أو الكونفدرالية مع الأردن ومن ثم قيام شكل من اشكال التعاون على أساس المصالح الاقتصادية ومصالح البقاء مع إسرائيل.

ثم أن واقع الأردن الديموغرافي مختلف هو الآخر، عن أي واقع نظير في دول الجوار، حيث كثافة سكانية فلسطينية تعيش على أراضيه بفعل الهجرات المتتالية بسبب الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن الأردن ظل على الدوام يشتكي من هذا الهاجس، إلا أنه استطاع بكل ماعنده من امكانيات تجاوز الأمر واحتوائه عبر خطاب سياسي انساني لتجسيد الوحدة الوطنية بين المكونين الشرق أردني والفلسطيني على أراضيه مستنداً في ذلك إلى وحدة مصير الشعبين أمام الخطر من جهة، ومن جهة أخرى تلك الوشائج والعلاقات الاجتماعية التاريخية التي تربطهما عبر النهر شرقاً وغرباً، وهي ما شكلت عاملاً حاسماً يعتبر أقوى من أية وحدة سياسية مفروضة من فوق، على أن هناك هنات هينات تعترض مثل هذه العلاقات الوحدوية يمكن تجاوزها ووضع حلول لها في الوقت المناسب، وعلى راسها حكاية “الحقوق المنقوصة”.

ما يميز الأردن، وهذه حقيقة ربما غائبة عن كثيرين، هو أنه واحد من البلدان القليلة في الشرق الأوسط، لا مكان فيه لطائفية أو عرقية، ليس لأن دستوره يرفض ذلك في نصوص صريحة، بل لأن هذه هي الحقيقة، فلا وجود مثلا لعرقيات كالأكرد مثل الحال في سوريا او العراق ولا لطائفة الشيعة، كما في دول الخليج العربي والعراق وسوريا ولبنان. صحيح أن هناك أقليات شركسية وأرمنية، وهي كانت ولا زالت تحظى باحترام وتقدير الجميع شعبا ونظام حكم وأيضاً هناك طائفة مسيحية كبيرة لكنها لم تأت من خارج “الغيم الأزرق” بل أن مسيحيي الأردن ينتمون لأصول عربية عريقة ممتدة لما قبل الفتح الإسلامي لبلاد الشام، وهم حالهم حال الشراكسة والأرمن ساهموا في بناء مداميك بناء الأردن الحديث، فضلا عن أن الدستور الأردني وقانون الانتخابات يمنح هؤلاء مقاعد في مجلس النواب، كما أن مجلس الأعيان الذي يعينه الملك وهو الغرفة العليا لمجلس الأمة يكاد لا يخلو من مسيحيين أو شراكسة أو من اية عرقيات أخرى. 

 * مقال ديفيد هيرست

 ما لفت نظري، وتأكيداً للإيجاز الذي أسلفت، خرج الكاتب البريطاني ديفيد هيرست في مقال الخميس (8 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012) على صفحات (الغارديان) يتحدث عن مخاطر كبيرة محتملة يواجهها الأردن بسبب الصراع الدائر في سوريا المجاورة. ويشير هيرست إلى أن معظم المواطنين الأردنيين يؤيدون المعارضة السورية، لكن النظام الأردني نفسه سعى إلى تبني موقفا محايدا، خشية تعرضه لأعمال انتقامية من أي منهما في حال لم يقف عن هذا الخط المحايد.

ويرى الكاتب أن الأسبوعين الماضيين أظهرا إلى أي مدى هناك خطورة كبيرة لانكشاف الأردن على الصراع في سوريا.

ويشير هيرست في هذا الصدد إلى مقتل أول جندي أردني على الحدود مع سوريا والاشتباكات التي اندلعت بين الجيش و”مجموعات من الجهاديين” كانوا يحاولون عبور الحدود بالإضافة إلى الكشف عن “مخطط مزعوم” للقاعدة واعتقال 11 شخصا جميعهم أردنيون كانوا يخططون لشن هجمات بقنابل وقذائف الهاون على أهداف بارزة في عمان.

ويرى هيرست أن “الإرهاب” في الأردن لم ينجح بالفعل رغم أنه مثير للقلق، لكن قدرة الأردن على منع امتداد ما يحدث في سوريا إلى أراضيها يعتمد على مدى صلابة الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيها.

 * تدهور على مختلف الصعد ؟

 ويزعم ديفيد هيرست أن هناك تدهورا على مختلف هذه الأصعدة، والعلاقة بين الطبقة الحاكمة والشعب تشهد تراجعا، في ظل الضغط الشعبي من أجل القيام بإصلاحات سياسية. بينما يرى أن النظام يواصل جهوده في “عرقلة” هذه الإصلاحات تماما.

واعتبر أن ما قام به الملك عبد الله الثاني على صعيد الإصلاحات الدستورية لم يكن سوى تعديلات بسيطة وتجميلية لا تسهم بفاعلية في نقل السلطة إلى الشعب. كما انه اعتبر أن التهديد الثاني يتمثل في السلفيين الذين توجه بعضهم إلى سوريا لقتال “النظام العلوي” هناك، والذي أصبح هدفا رئيسيا للجهاديين السنة في أماكن أخرى.

ويقول هيرست أن هؤلاء قد يمثلون خطرا يرتد على الأردن، ويشير إلى أنه وفقا لمخطط القاعدة المزعوم، فإنه بالنسبة لبعض السلفيين الأردنيين فإن الجهاد في سوريا هو مجرد إعداد قبل العودة إلى وطنهم للتحول ضد نظامهم الذي يعتبرونه كافرا رغم أنه سني تماما.

واعتبر الكاتب أنه أيا كانت نتائج الصراع في سوريا سواء بنجاة الأسد أو سقوطه، فإن الخيارين سيئان بالنسبة للنظام الأردني. ويقول إنه في حال نجا الاسد، بفضل ما يتصور أنه تواطؤ أردني، فإن ذلك سيزيد من عداء المعارضة التي يقودها الإسلاميون في الأردن إزاء النظام الملكي.

أما في حال سقط الأسد، فإن ذلك سيعزز من وضعهم بقوة لأنهم سيحظون بالدعم الكامل بالسلطة الحاكمة التي ستتخلف الأسد، والتي بدون شك ستكون إسلامية بقوة.

ويعتبر الكاتب أنه في كلا الحالتين كلما زاد رفض الملك بقوة للمطالبات الداعية لإصلاح حقيقي، كلما أصبحت المعارضة أكثر ميلا لرفع شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.

 * ما المطلوب عملياً

 لست بصدد الرد على مقال هيرست، أو ما سبق ما تناوله كتاب أو مراسلون أو محللون بريطانيون عن واقع الحال في الأردن، ومرة ثانية، اؤكد أنني لن أكون “محامي الشيطان” أو أنصّب نفسي مدافعاً عن الحكم في الأردن، فهذه ليست مسؤوليتي، المسؤولية الحقيقية أن تنصاع للحقيقة.

هناك أخطاء في المسار الإصلاحي في الأردن، وهناك أخطاء ارتكبت ومشاكل عميقة ومتجذرة لعل أهمها المشاكل الاقتصادية، وهناك خلخلة في الأداء الإداري ويعض المنظومات الأخرى المتعلقة بالتعليم والمؤسسات المجتمعية، وهناك حاجة ماسّة لإعادة النظر في استراتيجيات التخطيط، وفوق ذلك كله يتعين الشروع بحملة توافق وطني “لا استرضاء” تشمل الجميع وصولاً إلى مشاركة شعبية كاملة في القرار عبر الأصول والقنوات والمؤسسات الدستورية الصحيحة. وهنا أرى أنه رغم لقاءات الملك عبدالله الثاني مع كثيرين سواء في الديوان الملكي أو من خلال زيارته الخاطفة لبعض المناطق، فإن المطلوب أكثر من ذلك، وليس فقط من “البوابات الملكية”. كما أن هناك جدل يدور سلفاً ما إذا كان مجلس النواب المقبل الذي سينتخب في يناير/ كانون الثاني 2013 ،إن جرت انتخابات، مؤهلاً يشرعية حقيقية للبت فيما مؤجل من الإصلاحات كاستحقاقات مهمة.

ولكن أمام كون الأردن فقير بإمكانياته، فإنه يواجه مشكلات أخرى خارجة عن إرادته، وهي تتمثل في هذه الموجات البشرية الهائلة من اللاجئين وهي تفرض عليه مسؤوليات إنسانية واجتماعية بالدرجة الأولى عدا عن المسؤوليات الاقتصادية، ولعل موجات اللاجئين العراقيين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت واعادة حوالي نصف مليون من حملة الجنسية الأردنية بعد غزو العراق للكويت 1990 ووصولا لموجة اللجوء السوري الحالي تضع المجتمع الدولي كله وليس الأردن وحده أمام مسؤولياته،،، مثل هذه المسؤوليات تتعدى الدعم المالي والإنساني الذي لا زال محدوداً وبـ”القطارة” إلى وقفة دولة حاسمة لبحث جذور مثل هذا اللجوء غير المبرر في المنطقة وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح في أماكن غير الساحة الأردنية التي يتوجب تخفيف العبء عن كاهلها، إلا إذا كانت هناك مخططات تعدّ في الخفاء يدون شراكة الأردن أو استشارته تعدّ في الخفاء ؟!…

ثم فوق ذلك كله لا بد من السؤال المهم والأخطر الذي ظل يتردد لأكثر من ستين عاماً: هل هناك إرادة دولية حقيقية بإعادة إسرائيل للشرعية الدولية ولجم جموحها في الإقليم وتطبيق القرارات الدولية بالكامل التي كانت اتخذت عبر تلك العقود من السنين .. ؟؟!.

  

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: