Leave a comment

الرعاية الهاشمية للأماكن المقدسة في “عين العاصفة” عشية جولة أوباما

* كتب نصر المجالي

الخلاف الساخن الذي نشب بين الامير الحسن بن طلال ولي العهد الأردني السابق وعمّ الملك عبدالله الثاني وعدنان أبو عودة رئيس الديوان الملكي الأسبق، على خلفية الموقف من القدس خلال الندوة التي انعقدت يوم الثلاثاء قبل الماضي في عمّان، هو حديث الساحة السياسية والإعلامية في الأردن، كما أنه يفجر التساؤلات عن الدور الأردني المحتمل في مفاوضات الحل النهائي للقضية الفلسطينية ورعاية الأردن للأماكن المقدسة في القدس وهي التي نصت عليها اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية العام 1994 .

ومثل هذه الحادثة تتزامن مع الحديث عن استئناف المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية المتوقفة للشروع بتحديد الملفات الخاصة بقضايا الحل النهائي ومن بينها القدس.

والسؤال الذي تجري حاليا الإجابة عنه، ما دامت هذه الرعاية الهاشمية قائمة في شكل رسمي على الأماكن المقدسة، فلماذا لا يتم تشكيل وفد رسمي برئاسة أمير هاشمي للقيام بمهمة استقبال الرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارته للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة حين يزور إسرائيل في إطار جولته في المنطقة في إبريل/ نيسان المقبل.

* تفاصيل المشادة

وفي التفاصيل عن الخلاف أو “المشادّة” بين الأمير الحسن وأبوعوده، فإنها افضت إلى انسحاب الأخير من ندوة دراسية كان عقدها منتدى الفكر العربي في عمان، وترأسها الامير حسن رئيس المنتدى، وحضرها جمع من الباحثين والسياسيين ورجال الدين الاردنيين والفلسطينيين.

وكانت ورقة بحثية متميزة قدمها الباحث الفلسطيني الدكتور مهدي عبد الهادي الذي خلال الندوة كشفت عن حجم الاهمال العربي للقدس والمقدسات، وكثرة الاخطار المحدقة بها، ثم قال ان الرئيس الاميركي اوباما سيزور الاماكن المقدسة لدى وصوله الى اسرائيل في شهر نيسان/ابريل المقبل، حيث يكون المسؤولون الاسرائيليون في استقباله عند زيارته لحائط البراق، ويكون نفر من رجال الدين المسيحي العربي والاجنبي في استقباله عند زيارته لكنيسة القيامة، ولكن احداً لا يعرف حتى الآن من الذي سيكون في استقباله عند زيارته للمسجد الاقصى.

واقترح عبد الهادي ان يتولى مسؤولون اردنيون يتقدمهم الأمير حسن مهمة استقبال الرئيس الاميركي لدى زيارته للمسجد الاقصى، نظراً لان معاهدة وادي عربة قد اعطت للاردن حق الولاية الدينية على المقدسات الاسلامية في القدس.

غير ان عدنان ابو عودة الذي كان يشارك في الندوة، أعرب خلال مداخلة قصيرة عن خشيته من ان بند الولاية الدينية الاردنية على المقدسات الذي ورد في معاهدة وادي عربة ليس كافياً لحماية الاقصى، وباقي المقدسات الاسلامية بالقدس من اخطار الهدم والتهويد. وقال أبو عوده أنه قد اعترض مبكراً على الصياغة الواردة في المعاهدة بشأن الولاية الدينية الاردنية، وحذر منذ ذلك الحين من ضعف هذه الصياغة بما قد يتيح للمحتلين النفاذ منها والالتفاف عليها.

ولم يكد أبو عودة يكمل هذه العبارة حتى ثار الامير حسن واستشاط غضباً وهو يردد بصوت عالٍ انه لن يسمح لأحد بالتطاول على أخيه الملك حسين، ويشوه مواقفه ومواقف الهاشميين من القدس والمقدسات في فلسطين، وهو ما أدى الى رد غاضب ايضاً من أبو عودة، استنكر فيه سوء فهم الأمير لاقواله ومداخلته التي انتقد فيها نصوص المعاهدة وليس جهود ومواقف الملك حسين.

غير أن وتيرة الجدل والصراخ ارتفعت واشتدت بين الطرفين، ما حدا بالامير الى الوقوف ومحاولة مغادرة الندوة غاضباً، ولكن أبو عودة نهض من فوره وقال.. بل أنا الذي سأغادر هذه الندوة.

ومع ذهول الحضور ودهشتهم مما حصل، إلا أن كلاً من البطريرك فؤاد الطوال، وطاهر المصري وآخرين قد سارعوا، بعد مغادرة أبو عودة، لتهدئة الأمير واقناعه بمواصلة رئاسة الندوة.

الجدير بالذكر أن اقتراح الدكتور مهدي عبدالهادي بخصوص زيارة اوباما المنتظرة للقدس، قد فتح عيون كبار المسؤولين الأردنيين على هذا الموضوع، ودفعهم للعمل جدياً على انتداب فريق رفيع المستوى ليكون في استقبال الزائر الأميركي امام المسجد الاقصى.

* الرعاية الهاشمية اتفاقية السلام

وإلى ذلك، يشار إلى أن المعاهدة الأردنية الإسرائيلية فقد نصت في المادة التاسعة على أنه (ولهذا الخصوص وبما يتماشى مع إعلان واشنطن تحترم (إسرائيل) الدور الحالي الخاص للمملكة الأردنية الهاشمية في الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس . وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستعطي (إسرائيل) الأولوية الكبرى للدور الأردني التاريخي في هذه الأماكن) .

وقد أكد الأردن أن القدس بجزئها الشرقي لابد أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية ، كما هي بجزئها الغربي عاصمة (إسرائيل) .

لقد نص البند رقم ‏(1‏) من المادة رقم ‏(9‏) من المعاهدة الأردنية الإسرائيلية على أن يمنح كل طرف الطرف الآخر حرية الوصول إلى الأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية ، وقد تم تسوية الخلاف الفلسطيني الأردني حول الدور الأردني من أن رعاية الأردن للأماكن المقدسة يأتي من باب الحرص على عدم نشوء فراغ يؤدي إلى إخضاع القدس لوزارة الأديان الإسرائيلية ومن ثم إضاعتها ، وحتى لا تؤثر المعاهدة الأردنية الإسرائيلية في مستقبل الأراضي الفلسطينية فقد حرص الأردن على أن تتضمن المعاهدة ذلك صراحة ، فقد نص البند رقم ‏(2‏) على أن (تغيير الحدود كما هي محددة في الملحق ‏(2‏) الحدود الدولية الداعمة والأمنية والمعترف بها بين الأردن و(إسرائيل) دون المساس بوضع أراضٍ وُضعت تحت سيطرة الحكم العسكري الإسرائيلي عام 1967)…

* زيارة السادات للقدس

وبعد مبادرة الرئيس محمد أنور السادات السلمية عام1977 وزيارته للقدس اتسم الرد الأردني بالحذر والاعتدال في محاولة من الملك الحسين للإبقاء على كل البدائل مفتوحة ، وكان الأردن الأكثر اعتدالاً من سائر الدول العربية الأخرى في إدانة على عدم (الاستجابة الكافية من قِبَل مناحيم بيغن رئيس الوزراء الإسرائيلي لعرض السادات السخي للسلام) وعلى انتقاد سياسة إقامة المستعمرات في الضفة الغربية ، وفي الوقت نفسه حرص الملك الحسين على ألا يربط نفسه بمبادرة السادات أو ما يشير إلى تأييدها ، وازدادت شكوك الملك الحسين في إمكانية إجراء تسوية مع (إسرائيل) في أعقاب وصول تكتل الليكود إلى السلطة في (إسرائيل) في انتخابات أيار عام1977 ، فقد أصرت حكومة الليكود على التأكيد على حقوق اليهود في الضفة الغربية على أساس ديني وأيديولوجي بغض النظر عن الأسس والادعاءات الأمنية ، بالإضافة إلى تأكيد بعض أعضاء الوزارة الإسرائيلية على اعتبار الأردن دولة فلسطينية.

وبعد المقترحات التي تقدم بها بيغن في الإسماعيلية زادت مخاوف الأردن من تلك المقترحات ، والتي تعطي حكماً للسكان وليس للأرض ، واقتصر الدور الوحيد المناط بالأردن على مشاركة ممثليه مع ممثلي (إسرائيل) والمجلس الإداري المنتخب للحكم الذاتي في تقرير الإطار التشريعي لمنطقة الحكم الذاتي ومسائل أخرى.

وحينها، قد لاقت مبادرة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان قبولاً لدى الأردن ، وقد أكدت المبادرة فيما يتصل بالقدس عدم موافقتها على تجزئتها على أن يتقرر وضعها النهائي بالمفاوضات.

كما رحب الأردن بمبادرة وزير الخارجية الأميركي شولتز عام1988 ، واضطُر الأردن لرفضها بسبب المعارضة الفلسطينية والسورية .

* زيارة الامير غازي ومفتي مصر

هنا يشار إلى أن زيارة مفتي مصر الشيخ علي جمعة للمسجد الأقصى يوم 18 أبريل / نيسان 2012 برفقة الأمير غازي بن محمد الممثل الشخصي لملك الأردن عبد الله بن الحسين ومستشاره للشؤون الدينية لفتت الأنظار إلى الولاية الأردنية على الأماكن الإسلامية المقدسة بالقدس, نظرا لأن الزائريْن حضرا إلى المدينة الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 بناء على ترتيب مسبق مع سلطات تل أبيب.

لم تكن للولاية على الأوقاف الإسلامية والحرم القدسي محل جدل, عندما كانت المدينة خاضعة لإدارة إسلامية خلال الحكم العثماني لفلسطين, والذي استمر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد كانت الكلمة الأخيرة في شؤون المقدسات من اختصاص الخليفة العثماني.

غير أن الأمور ما لبثت أن تغيرت بعد دخول الجيوش البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي عام 1917 إلى المدينة إثر انسحاب الجيوش العثمانية منها. فقد أصبحت القدس خاضعة لإدارة عسكرية أجنبية, ما لبثت أن تحولت إلى مدنية بعد قرار فرض الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1920, وإيكال أمر إدارة شؤونها للسير هربرت صموئيل.

ويشير المؤرخون الفلسطينيون لتلك الحقبة إلى أن صموئيل أعطى موافقته على أن يتولى الحاج أمين الحسيني منصب مفتي القدس عام 1921 بعد وفاة أخيه غير الشقيق كامل الحسيني، وذلك بعد أن كانت عائلته قد رشحته لخلافة أخيه.

* الحسين بن علي وترميم الأقصى

بموازاة ذلك تؤكد المراجع الرسمية الأردنية إلى أن الهاشميين بدؤوا منذ عام 1923 بالمساهمة في ترميم الأماكن المقدسة بالقدس على يد الشريف حسين بن علي, بناء على ما يوصف بأنه “عقد شرعي وأخلاقي” مستمد من دور الهاشميين السابق في إدارة شؤون المقدسات بمكة المكرمة.

وخلال الحقبة الفاصلة بين بداية الانتداب البريطاني على فلسطين ونهايته عام 1948 لم تكن قضية الإشراف على الأوقاف والأماكن الإسلامية المقدسة بالقدس محل تنازع بين الأردن والفلسطينيين. إلا أن الوضع بدأ في التغير مع صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947 فقد منح القرار القدس وضعا خاصا يميزها عن المناطق التي خصصت للعرب وتلك التي خصصت لليهود.

* دور عبد الله الأول

ومع انتهاء الحرب العربية الإسرائيلية الأولى بتوقيع اتفاقات هدنة بين الأردن وإسرائيل في فبراير/ شباط 1949 أصبحت المدينة ومقدساتها وأوقافها خاضعة لحكم أردني مباشر بحكم الأمر الواقع، ورفض الملك عبد الله الأول الاعتراف بحكومة عموم فلسطين. وبدلا من ذلك نظم الفلسطينيون الموالون له مؤتمر أريحا الذي شرع في إلحاق الضفة الغربية بإمارة شرق الأردن. ومهد لاحقا لقيام المملكة الأردنية الهاشمية على ضفتي نهر الأردن.

واستمرت تبعية الضفة الغربية والقدس للأردن إداريا وقانونيا رغم احتلالها من قبل إسرائيل بحرب 67. ولم يؤد نشوء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 والإقرار بأحقيتها بتمثيل الشعب الفلسطيني بالقمة العربية عام 1974 إلى تغيير هذا الوضع. وظل كل الموظفين المدنيين العاملين بالأوقاف والتربية والصحة بالقدس والضفة الغربية تابعين للإدارة الأردنية، وينظر لهم كمواطنين أردنيين نظرا لحملهم جواز السفر الأردني.

لكن الأمر تغير بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987. فقد أعلن ملك الأردن حسين بن طلال عام 1988 فك الارتباط مع الضفة الغربية، لكنه أبقاها على الأماكن المقدسة بالقدس.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: